• Home
  • المقالات
  • صراع النظرية والتطبيق في صناعة الأجيال (1 و 2 – 7)

صراع النظرية والتطبيق في صناعة الأجيال (1 و 2 – 7)

د. عبدالله بن سليمان المفرجي – الرؤية

(1 – 7)

إن الحديث عن صناعة الأجيال حديث ذو شجون فهو يمثل رؤية ثاقبة عن مستقبل الأمم وتطورها وازددها، وعن القوة الناعمة التي تحمي الهوية وتصنع الحضارة وتطوي صفحات الظلام إلى نور التطور والسباق نحو الفوز والنجاح. ولما كانت التربية هي المحرك الأول لهذه الصناعة.

وقد أضحت كليات التربية هي المعامل التي تخرج منها الأدوات البشرية الناضجة القادرة على حمل هذه الأمانة التي عجزت عن حملها الجبال. غير أن الناظر في واقع بعض تلك الكليات في عالمنا العربي يفضي بنا إلى مشهد مركب من التناقضات والحيرة، حيث تتصارع النظريات الأكاديمية مع متطلبات الميدان، وحاجات الواقع العلمي، وتتسع الهوة بين ما يدرسه الطالب في قاعات المحاضرات من كلام نظري معزول عن الواقع، بين وما يمارسه في فصول المدارس وتداعيات المواقف التربوي.

في زمن تتدافع فيه الأفكار وتتصارع الرؤى، وتتسارع المتغيرات والتقنيات الحديثة حتى تكاد تلهث الأنفاس قبل أن تستوعب حاضراً يغدو ماضياً في غمضة عين، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على كل ذي عقل راجح وفكر ثاقب: كيف نصنع الأجيال في عالم يموج بالتحولات الحثيثة والتطورات المتسارعة؟ يقول البلام: «متى آمنا بأن التعليم احتضان التنوع وتقبل الآراء المتضاربة، وتسامح مع المعارضة واعتراف بأن الحقائق ليست كلها مطلقة، وأنه ثورة العقل على الماضي ليحاكم به الحاضر منتجاً المستقبل، استطعنا من خلال ذلك أن نبني عقولاً ونفوساً تصارع الجبال وتؤسس الأوطان». هذا الكلام البليغ يختصر فلسفة التربية الحقيقية: ليست التربية حشواً للأذهان، بل هي فتح للعقول على احتمالات المعرفة، وتربية للنفوس على التسامح مع الاختلاف، وإعداد للأجيال لمواجهة المجهول بقلوب لا تعرف الخوف وعقول لا تعرف الجمود. تقول ساندرة لوني: “نحن نبني بيوتا لنسكن بها أما الجامعات فهي بيوت للأفكار. نحن نبني جامعات لكي تسكن بها الأفكار”، فكيف يتم ترجمة تلك الرسالة في واقعنا إلى سلوك عملي؟!

في حين تظل التربية ذلك الثابت الوحيد والنبع الصافي الزلال الذي لا محيد عنه في بناء الأمم، ذلك النبع الذي لا ينضب، والدر الذي لا يجف، والبذرة الصالحة اليانعة التي إن أحسنا غرسها آتت أكلها يانعة باسقة قروناً مديدة، وسنوات عديدة، وأيام متوالية، وإن أهملناها صارت حطباً يتقد يلهب ظهورنا وأفئدتنا قبل أن نستشعر اللهيب. وفي صلب هذه العملية الجليلة يقف المعلم شامخاً رافع الرأس، ذاك الصانع الحقيقي للأجيال، والمهندس الخبير الذي يشكل العقول قبل أن تشكلها الحياة بكل متغيراتها، وعواصفها وغنائمها. غير أن الناظر في واقع بعض كليات التربية في عالمنا العربي اليوم يدرك أن ثمّة خللاً عميقاً يضرب في جذورها. وينخر في كيانها، فكليات التربية التي كان من المفترض بها أن تكون في قمة الهرم التعليمي، والتطور الميداني، وأن تعمل على انتقاء ألمع الطلاب وأزكاهم نفساً، وخلقا، وقدرة على حمل الرسالة، فقد أضحت في الواقع ملاذاً أخيراً لمن أغلقت في وجوههم أبواب الكليات الأخرى. وضاقت به الأرض بما رحبت، فقد صارت وكأنها مهوى واستراحة المحاربين المنهكين التائهين العابرين من الذين سقطوا في معركة المجاميع، أو محطة أخيرة يلتقط فيها الراكبون أنفاسهم الأخيرة قبل أن يهبطوا إلى سوق العمل بما تيسر لهم من حطام المعرفة.

وهكذا تقف هذه الصروح العلمية بين مطرقة الضعف الداخلي الذي ينخر في عظامها، ويفتك بهيكلها العظمي، وسندان التوقعات المجتمعية المرتفعة التي تنتظر منها المعجزات. فالطلاب الذين يلتحقون بها هم نتاج تعليم أساسي يعاني أمراضاً مزمنة وأفات مهلكه: فضعف في المهارات الأساسية، وفقر في المعرفة العامة، واعتياد على التلقين الذي لا يشعل فتيل الفكر ويحرك كوامن العقل ويوقد لواعج المواهب الفتية. وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن أربعين بالمئة من طلاب المرحلة الثانوية في العالم العربي لا يجتازون اختبارات المهارات الأساسية (الألكسو، 2024). وهكذا تدخل بعض كليات التربية مدخلات واهنة، وتصبح المهمة تكاد تكون مستحيلة: كيف لمن لم يتقن أدوات التعلم أن يتعلم كيف يعلّم؟ وكما قال ابن خلدون في مقدمته: “الملك والدين توأمان، فإذا انفصلا تهدمت الدول” (ابن خلدون، 1377/2023، ص 112)، فإننا من وحي كلامه نقول: النظرية والتطبيق توأمان، فإذا انفصلا تهدمت التربية وتعطلت الأجيال.

ثم يفاجأ هؤولا الطلاب بمناهج لا تختلف عما تعرضوا له سابقاً عبر سنوات عجاف في مقاعد الدراسة: زخم نظري وسرد مطبق لا يكاد يمس واقع التعليم وحي الحياة. يقضي الطالب خلاله سنوات سمان يملأ رأسه بنظريات بورهوس فريدريك سكينر وجون واطسون وإيفان بافلوف وليف فيجوتسكي وجان بياجيه وأبراهام ما سلو وكارل روجرز وجورج سيمنز و ستيفن داونز يحفظها عن ظهر قلب في لفيف من التوتر والاضطراب. ثم يلقها في غياهب النسيان بعد الامتحان، في يم عميق سحيق، والتي لا تكاد تجد بينها صلة بين ما يدرسه في قاعات المحاضرات وبين ما سيواجه من تحديات يومية في الفصول الدراسة وفي معترك الحياة العملية. ومن الطريف المبكي والمحزن أن طرق التدريس المتبعة في أروقة بعض هذه الكليات تتناقض مع ما تدرسه للطلاب، فيخلق هذا التناقض ازدواجية في شخصية الطالب المعلم. ويزداد الطين بلة أن عدد ساعات التدريب الميداني لا يكاد يُذكر في بعض الكليات، والإشراف عليه شكلي بدون ثمة تغذية راجعة تقدم للطالب المعلم. وهكذا دواليك يخرج الطالب وقد حفظ نظريات عديدة وملاء رأسه بمعارف كثيرة، لكنه إذا واجه واقع الفصل تاه في متاهاته متشعبه وأخدود من التعليمات والأنظمة المعقدة في حقول التعليم. ومن وحي ذلك تؤكد الدراسات المقارنة أن أفضل برامج إعداد المعلمين في العالم هي التي تدمج التدريب الميداني المكثف مع الإعداد النظري (OECD, 2024).

ثم تأتي بعد ذلك الإدارة البيروقراطية لتكمل الصورة القاتمة، والصفحة الباهتة، بجمودها المرعب وروتينها الممل الذي يحول دون أي تطوير أو تقدم ملموس. لوائح صارمة لا تواكب العصر وتسارعه، وموارد تهدر في أنشطة هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع. وهكذا تتخرج الأجيال حاملة شهادات لا تعكس كفاياتها. فالشهادة – كما يقول نجيب محفوظ – ورقة تثبت أنك تعلمت، لكنها لا تثبت أنك تفهم. ويبقى السؤال معلقاً: إلى متى ستظل كليات التربية أسيرة هذه التناقضات المتباينة في وهج من الضعف والألم؟

وخلاصة القول في هذا المقام، أن أزمة كليات التربية ليست طارئة ولا سطحية، بل هي أزمة بنيوية تمتد جذورها إلى سياسات القبول، ومخرجات التعليم قبل الجامعي، وتصميم المناهج، ونمط الإدارة، وضعف الارتباط بالميدان. وكما أن البناء الراسخ لا يقوم على أسس واهية، فإن التربية لا تصلح بمدخلات معيبة واهية. وإن مما يؤسف له ويندي له الجبين أن يحال بين طالب التربية وبين الميدان بسور نظري لا ينفذ، وأن يُحرم من تجربة الحياة الصفية التي هي المختبر الحقيقي لاكتساب الكفايات والخبرات. وتشير الأدبيات التربوية الحديثة إلى أن قيمة المعرفة لا تكمن في حفظها فحسب، بل في القدرة على توظيفها في سياقات عملية ذات معنى، وهو ما تؤكده اتجاهات التعلم العميق والتعلم القائم على الكفاءة، حيث يُعد تطبيق المعرفة مؤشرًا رئيسًا على تحقق التعلم الحقيقي (John Hattie, 2012؛ National Research Council, 2012؛ Grant Wiggins & Jay McTighe, 2005).، ولعل ذلك يتفق مع قول الجاحظ: “العلم ليس بما حفظ بل بما استعمل” ما يشير إلى أن المعرفة لا تصبح نافعة حتى تمتحن في رحاب الواقع. فإذا كانت كليات التربية قد فقدت صلاتها بالميدان، فإنها تفقد معها معنى وجودها في المواقف التعليمية والحقول التربوية الحصينة.

(2 – 7)

بعد أن وقفنا بالبحث والتحليل على واقع الطالب المعلم، معلم المستقبل والمؤمل منه تطوير منظومة التعليم وتخليصه من آفات العصر وتداعياتها، فلكل عصر أدواته ووسائله، وهمومه ومشاكله، حينها قد تبين لنا أن بعض كليات التربية تستقبل مدخلات قد تكون واهنة وتخرجها بمناهج نظرية وتدريب عملي هزيل لا يمس حاجة الحقل التربوي ولا يغطي متطلبات المواقف التعليمية، ينتقل بنا البحث إلى مستوى آخر أكثر إيلامًا وأشد تعقيدًا وأبلغ عمقًا: ألا وهو مستوى بعض أعضاء هيئة التدريس في تلك الكليات.

وهيئة التدريس تُعد القلب النابض والمحرك اللامع لأي مؤسسة تعليمية، والمرجع الذي يُفترض فيه أن يكون قدوة علمية وأخلاقية وتربوية؛ حيث إن عضو هيئة التدريس قائد التطوير في مسرح الحقل التربوي، والذي من المؤمل فيه أن يكون جامعًا بين النظرية والتطبيق بفكره الرائد وسلوكه المتقد. غير أن الممارسة تكشف لنا عن مفارقة عظمى: فبعض ممن يتولون إعداد المعلمين كثيرًا ما يكونون أبعد الناس عن الميدان الحقيقي، وأجهل الناس بواقع الفصول الدراسية ومشاكلها وتداعياتها.

ومن أغرب المفارقات أن يتولى تكوين المعلمين أفئدة لم تذق غبار المدرسة، وأفهام لم تعان صخب الفصول، وأقلام لم ترَ واقع التعليم الحقيقي في أروقته الميدانية، فالدكتور الجامعي قد يقضي عقودًا في تحصيل الشهادات دون أن يخوض غمار التدريس في المدارس ولو يومًا واحدًا، يظل أسير نظرياته في أبراجه العاجية، يضع حلولًا لمشكلات لم يعشها، ويخرج معلمين لم يجالسهم في فصولهم ولم يعش معاناتهم. وقد أشار فيجوتسكي إلى أهمية “منطقة النمو القريبة” التي يتعلم فيها المتعلم من خلال تفاعله مع من هم أكثر خبرة (Vygotsky, 2021, p. 86)، فكيف لمن ليس له خبرة ميدانية أن ينقلها لطلابه؟ “فاقد الشيء لا يعطيه”. هنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يُعهد بتكوين المعلمين إلى بعض ممن لم يمارس التعليم في الميدان العملي، فيخرج جيل يحفظ النظريات، لكنه إذا واجه واقع الفصل ومواقف التعليم تاه. فكيف لمن لم يعان مشقة ضبط الصف أن يعلّم غيره فنون الضبط وأساليبه؟ وكيف لمن لم يُصغِ لهموم طالب متعثر أن يوجّه معلمًا إلى كيفية مساعدة المتعثرين ذوي صعوبات التعلم؟ وفي هذا يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: “من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه” (الغزالي، ص 156). وهذا ما تشير إليه بعض الأدبيات التربوية إلى أن التدرّج في اكتساب الخبرة شرطٌ أساسي لتحقيق الكفاءة، وأن التسرّع في تحمّل الأدوار قبل اكتمال المهارات قد يؤدي إلى ضعف الأداء وسوء التقدير، وهو ما تؤكده نماذج اكتساب الخبرة والتطور المهني، إضافة إلى دراسات التحيز المعرفي المرتبطة بتقدير الذات (Patricia Benner, 1984؛ David Dunning & Justin Kruger, 1999).

ثم إن بعض هؤلاء الأساتذة، حتى ممن قضى سنوات في المدارس، سرعان ما يبتعدون عن الميدان، وتمر السنون وهم منقطعون عن مدارس التعليم العام وقوانينها ولوائحها، لا يزورونها، ولا يتابعون مستجداتها، ولا يعرفون عن هموم معلميها شيئًا. وفي أثناء ذلك تتغير المناهج، وتتطور طرق التدريس، وتتبدل خصائص الطلاب ومستوياتهم، وهم في مكانهم جامدون، يدرسون نفس الموضوعات لسنوات عديدة بنفس الطرق التي تعلموها منذ عقود ماضية. وفي ذلك فقد حذّر المفكر التربوي دونالد شون من مخاطر “الممارس الأكاديمي” الذي ينفصل عن الواقع، ودعا إلى نموذج “الممارس المتأمل” الذي يربط بين النظرية والتطبيق في حوار دائم مع الواقع (Schön, 2023, p. 49). وقد أظهرت دراسة أن الانخراط الفعّال لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية ضمن شراكات مستمرة مع المدارس يسهم في تحسين جودة إعداد المعلمين، حيث توفر هذه الشراكات بيئات تدريب عملي أصيلة تعزز الكفاءة المهنية والتطبيقية للمعلمين تحت الإعداد (International Journal of Educational Research, 2026; Hadar et al., 2025).

ويزداد الوضع سوءًا مع عزوف بعض المتميزين من حملة شهادات الدكتوراه عن العمل في بعض كليات التربية، بسبب تدني الحوافز المادية وكثرة الأعباء الروتينية المملة. فإذا كانت كليات الطب تتنافس على أفضل الأطباء، وكليات الهندسة تغري بالمتميزين من المهندسين، فإن بعض كليات التربية كثيرًا ما تضطر إلى قبول بعض ممن تبقى من حملة الشهادات، بغض النظر عن كفاءتهم أو خبرتهم الميدانية. وهكذا تتوالى حلقات الضعف: ضعف في اختيار أعضاء هيئة التدريس يؤدي إلى ضعف في إعداد المعلمين، وضعف في إعداد المعلمين يؤدي إلى ضعف في مخرجات التعليم العام، وهذا الضعف بدوره يغذي كليات التربية بطلاب أضعف، وهكذا دواليك.

ثم إن غياب برامج التطوير المهني المستمر لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية يعد كارثة بحد ذاتها. ففي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التطور التربوي في العالم، وتظهر نظريات جديدة، وتقنيات متطورة، وأساليب تدريس مبتكرة، يظل كثير من أساتذة كليات التربية محبوسين في قوقعة الماضي، لا يتابعون جديدًا، ولا يطلعون على بحث علمي عميق، ولا يحضرون مؤتمرًا، ولا يشاركون في ورشة عمل، وهم بذلك لا يتخلفون عن ركب التطور فحسب، بل يصبحون عائقًا أمام تطور غيرهم. وقد أكد روجر بيكون أن إهمال الرياضيات يُضعف بنية المعرفة الإنسانية، حيث لا يمكن فهم العلوم الأخرى دون إتقانها، مما يعكس دورها المحوري في بناء الحكمة العلمية (Bacon, as cited in Boyer, 1968). ونحن نقول: “الجهل بمستجدات التربية وتطوراتها يفقدك كل الحكمة التربوية”.

والطامة الكبرى أن المجتمع برمته، وأولياء الأمور على وجه الخصوص، يسهمون في هذه الأزمة الماثلة من حيث يدركون أو لا يدركون. فالنظرة الاجتماعية لمهنة التعليم في عالمنا العربي أضحت في أدنى مستوياتها، المعلم الذي كان يحظى باحترام يفوق احترام الوالدين، ويقف له الناس إجلالًا وإكرامًا، وقد أضحى اليوم موظفًا عاديًا، بل كثيرًا ما يُنظر إليه نظرة شفقة أو استعلاء. وفي البيوت، لم يعد أولياء الأمور يحفزون أبناءهم على احترام المعلم أو التقدير لدوره، بل على العكس قد يسمعون أبناءهم وهم ينتقدون المعلمين ويتهمونهم بالتقصير دون أن يحركوا ساكنًا، فهم لا ينبسون شفة، كالغيم المظلم قبل المطر، يحملون الكلام في صدورهم، لكنهم لا يطلقونه، فصمتهم أضحى مثل البحيرة الراكدة، لا يثيرها نسيم ولا يهزها صوت، فكل شيء يختفي خلف وجههم الهادئ، وكل العيون تتحدث، وكل القلوب تنبض إلا هم، فهم لا ينبسون شفة، بيد أن كلماتهم سيوف تُلصق بالأسماء، ولا تتردد في الأفق تحدث صخبًا، وقد قيل قديمًا: “من كان معلمه أباه فمعلمه الناس أبوه”، فكيف إذا كان الأب نفسه لا يقدر المعلم ولا يدافع عنه ولو بكلمة؟

هنا نكون بهذا التحليل قد كشفنا عن جانب آخر من جوانب الأزمة الماثلة في التعليم، التي تتطلب إعادة تصميم النظم التعليمية لتكون أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية، حيث تؤكد بعض التقارير الدولية أهمية تطوير مهارات القرن الحادي والعشرين وتعزيز التعلم المرن لمواجهة التحديات المستقبلية (OECD, 2020; World Bank, 2021)، الأمر الذي يتطلب العمل على إصلاح لا يقل خطرًا عن سابقه، بل ربما يكون أخطر لأنه يتعلق بمن يُفترض فيهم أنهم قادة الإصلاح والتغيير في الحقل التربوي. فانفصال أستاذ التربية عن الميدان يشبه انفصال طبيب الجراحة عن غرفة العمليات، فهو يفقده حسه المهني الوظيفي، وتجف ينابيع المعرفة الحية التي لا تنبع إلا من الاحتكاك بالواقع العملي. وما أبلغ قول الفارابي: “المعلم الحكيم هو من يجمع بين النظر والعمل، فإن غاب العمل بقي النظر هباء”. فإذا كان أستاذ التربية لا يؤمن بأن الميدان هو معمله الحقيقي، فكيف لطلابه أن يؤمنوا بذلك؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الإضافات