
يُعد تطوير نظام القبول الموحّد خطوة أساسية ليواكب التحولات التي تشهدها منظومة التعليم العالي، وليُسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، وفي الاستفادة من التجارب الدولية المعاصرة. ومن هذا المنطلق جاء هذا الحوار مع أنظمة الذكاء الاصطناعي لتقديم تحليل منهجي لنظام القبول الموحّد في سلطنة عُمان، مدعومًا بنماذج مقارنة مع عدد من الدول حول العالم عمومًا، ودول مجلس التعاون خصوصًا، وصولًا إلى مقترحات عملية للتطوير والتحديث.
يوفّر نظام القبول الموحّد بوابة إلكترونية مركزية تجمع بيانات الطالب، وتتيح له إدخال رغباته من البرامج الدراسية، ثم تُجري عملية فرز تعتمد أساسًا على المعدل التنافسي وشروط كل برنامج. وتنتظم العملية عبر خمس مراحل أساسية: التسجيل، إدخال الرغبات، الفرز التجريبي، الفرز الأول، ثم التثبيت والفرز الثاني.
وقد نجح النظام في معالجة ازدواجية التقديم، وتقليل الأخطاء الإدارية، وتوحيد الإجراءات، غير أن تطوّر المشهد التعليمي يتطلب اليوم إدخال أدوات تقييم إضافية، وتوسيع مساحة الإرشاد، وربط القبول بمؤشرات سوق العمل، أسوة بالنماذج العالمية الرائدة.
أبرز التحديات التي تواجه نظام القبول الموحد
استنادًا إلى الدراسات والمصادر المتاحة، برزت مجموعة من التحديات يمكن تلخيصها فيما يأتي:
التنافس الحاد والضغط على التخصصات بعينها: تتكرر سنويًا ظاهرة تكدّس الرغبات في عدد محدود من التخصصات، مما يؤدي إلى عدم قبول طلبة ذوي معدلات عالية رغم توفر برامج مناسبة لهم خارج خياراتهم الضيقة. وقد أُشير في تقارير صحفية إلى حالات حصل فيها طلبة على نسبة ٩٠٪ فأعلى ولم يُقبلوا بسبب حصر رغباتهم في برامج شديدة التنافسية مع عدد قليل من الاختيارات. وهذا يعني أن المنظومة تضع ضغطًا كبيرًا على الطالب في كيفية ترتيب رغباته، وهو ما قد يؤدي إلى إما فقدان فرصة، أو قبول في تخصّص غير مرغوب فيه. كما يبرز التحدي ليس فقط في قلة المقاعد، بل في محدودية معرفة معظم الطلبة ببنية سوق العمل، ما يجعل خياراتهم تقليدية وغير مبنية على تحليل مهني أو أكاديمي.
الإرشاد المهني والجامعي: الإرشاد المتخصص قبل مرحلة التقديم ما يزال محدودًا، مما يدفع الطالب إلى اتخاذ قرارات سريعة وغير مبنية على معطيات واضحة. ومع أن منصة القبول تنشر أدلة وشروحًا، إلا أن معظمها لم يواكب بعد متطلبات الجيل الجديد، ولم يرتبط بأدوات تحليلية ذكية تساعد الطالب على اتخاذ القرار الصحيح. كما تحتاج المدارس إلى أدوات تربوية وتحليلية منتظمة تُقدّم للطالب صورة أكثر وضوحًا عن مساراته الأكاديمية والمهنية. ويُفقد قسم من الطلبة فرصة القبول أحيانًا بسبب ترتيب الرغبات وليس الأداء الأكاديمي، إذ يختارون عددًا محدودًا من الخيارات أو يركّزون على تخصصات بعينها، مما يجعل جزءًا من النتيجة مرهونًا بالاستراتيجية، لا بالمستوى العلمي وحده.
المقاعد الشاغرة في الفرز الأول: أظهرت تقارير أن نسبة المقاعد التي لم تُشغل في الفرز الأول بلغت نحو 6.5٪ من إجمالي المقاعد، رغم حدّة المنافسة. وهذا يعني أن جزءًا من الطاقة الاستيعابية يبقى دون استغلال، ثم يُملأ لاحقًا بآليات أقل كفاءة. ويرتبط ذلك بعدم مواءمة بعض الشروط الأكاديمية مع مستويات الطلبة، وضعف التخطيط للرغبات، وعدم مرونة بعض البرامج في استيعاب الطلب الفعلي.
الاعتماد على المعدل التنافسي بوصفه المؤشر الأبرز يعتمد النظام بشكل كبير على المعدل التنافسي (المبني على النسبة العامة وبعض المواد)، وهنا يبرز تحدٍّ مهم؛ إذ يعجز المعدل وحده عن قياس مهارات التفكير العليا، والقدرة الأكاديمية، والاستعداد الجامعي، خصوصًا في التخصصات التنافسية، كما لا يقيس القدرات الإبداعية ولا المهارات العملية. وعلى الرغم من ارتفاع أعداد المتقدمين، تبقى سنويًا نسبة من المقاعد دون إشغال، مما يدل على خلل في مواءمة شروط البرامج مع قدرات الطلبة، أو في عدم دقة ترتيب الرغبات الملائمة لهم.
التفاوت في الفرص بين المناطق والمحافظات: ما زالت بعض الولايات تُظهر نسب قبول أقل لأسباب قد ترتبط بضعف الإرشاد، أو نقص الوعي، أو لعوامل اقتصادية واجتماعية تؤثر على ترتيب الرغبات. نظرا للتفاوت الجغرافي والاجتماعي ناتجة عن التفاوت في وعي الأسر والمدارس بمتطلبات القبول وكيفية التعامل مع منصة القبول الموحّد.
قدرة النظام على أن يكون متساويا أمام الجميع: أُجريت في فترات سابقة استطلاعات مثل تحليل استبيان الطالب حول النظام، لكنها لم تُنشر نتائجها كاملة حتى الآن، ما يُضعف من مستوى الشفافية المتاحة للطلبة وأولياء الأمور والباحثين. كما أن غياب البيانات التفصيلية عن الأداء، والنتائج، وقوائم الانتظار، وأنماط التخصّصات المختارة، يجعل من الصعب تقييم مدى عدالة النظام بصورة موضوعية.
قوة الربط بين القبول وسوق العمل: لا تزال بيانات “قابلية التوظيف” للبرامج غير مدمجة بشكل واضح داخل منصة القبول الموحّد، وبالتالي يصعب على الطالب معرفة ما إذا كان التخصص الذي يطلبه يعاني تشبعًا أو يُعد من التخصصات الواعدة، الأمر الذي يحدّ من قدرته على اتخاذ قرار مهني واعٍ. وفي دراسة حول التعليم العالي في عُمان، نشرتها جامعة السلطان قابوس حول مدى جاهزية مؤسسات التعليم العالي للمهارات والوظائف المستقبلية وفق رؤية 2040، تم التأكيد على وجود فجوة بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة وما يُتوقع منه في الجامعة أو في سوق العمل، مما يؤثر في ملاءمة القبول والتخصصات، وفي قدرة النظام على دعم التحول نحو الاقتصاد القائم على المعرفة.
الأنظمة العالمية للقبول في الجامعات
الولايات المتحدة – القبول الشامل: يعتمد القبول الجامعي فيها على ما يُعرف بـ القبول الشامل (Holistic Admission)، وهو نموذج يقوم على تقييم الطالب من خلال مجموعة من العناصر الأكاديمية والمهارية والسلوكية، بدل الاقتصار على المعدل الدراسي وحده. يشمل التقييم مزيجًا من المعدل الدراسي، والمقالات الشخصية، وخطابات التوصية، والأنشطة اللاصفية، والخبرات المجتمعية، وأحيانًا المقابلات. وقد أصبحت اختبارات مثل SAT وACT اختيارية في كثير من الجامعات بعد جائحة كورونا، مما زاد من أهمية ملف الأنشطة والإنجازات. يتيح هذا النموذج فرصًا أفضل للطلاب ذوي المواهب غير الأكاديمية، لكنه في المقابل يتطلب استعدادًا مبكرًا وتوثيقًا دقيقًا لمسيرة الطالب.
كندا – القبول الأكثر أكاديمية: يعتمد القبول الجامعي فيها على نظام مرن يركز بشكل رئيسي على الأداء الأكاديمي في المرحلة الثانوية، مع متطلبات قبلية حسب متطلبات كل جامعة وبرنامج. لا توجد منصة قبول وطنية موحدة لكن توجد مراكز إقليمية للتقديم في ولايات معينة، وهذا ما يمنح الجامعات استقلالية واسعة في تحديد معاييرها التي لا تعتمد كثيرًا على المقابلات أو المقالات الشخصية، باستثناء التخصصات التنافسية كالطب والهندسة المعمارية. ولكنها تستخدم اختبارات اللغة الإنجليزية (IELTS، TOEFL) للطلبة الدوليين، وقد تطلب مستندات إضافية في برامج محددة.ويمتاز النظام الكندي بمسارات انتقالية واضحة بين الكليات والجامعات، مما يسهل على الطلبة بناء مسار تدريجي نحو التخصصات العليا.
إنجلترا – القبول النوعي: يتم القبول الجامعي فيها عبر منصة مركزية تُسمّى UCAS، وهي من أكثر الأنظمة العالمية تنظيمًا ووضوحا لأن القبول فيها أساسًا يعتمد على نتائج A-Levels أو الشهادات المعادلة، ويمكن اشتراط اختبارات إضافية لتخصصات معينة مثل الطب (UCAT) والقانون (LNAT). تطلب الجامعات أيضًا بيانًا شخصيًا (Personal Statement) يشرح فيه الطالب دوافعه وقدراته، إضافة إلى توصيات أكاديمية. وتجري جامعات النخبة مثل أكسفورد وكامبردج مقابلات تقييمية كجزء أساسي من عملية القبول. ويُعد النظام الإنجليزي مزيجًا بين الدقة الأكاديمية والمرونة، مما يساعد الجامعات على اختيار الطلاب الأكثر مناسبة للمساق الدراسي.
ألمانيا – مزيج من الأنظمة: يعتمد القبول الجامعي فيها على مزيج من الأنظمة المركزية واللامركزية، حيث تدير منصة Hochschulstart / DoSV عملية القبول في بعض البرامج التنافسية، بينما تدير الجامعات برامج أخرى بشكل مستقل. تُعد تخصصات مثل الطب وطب الأسنان والصيدلة من برامج Numerus Clausus (NC) التي تعتمد بشكل كبير على المعدل الدراسي، وتلجأ بعض الجامعات إلى اختبارات ومقابلات لبعض البرامج . يتميز النظام الألماني بوجود قوائم انتظار ديناميكية تُحدَّث بشكل مستمر لتقليل عدد المقاعد الشاغرة وزيادة كفاءة التوزيع. كما يعتمد النظام على مسارات متعددة تشمل: المعدل العام، الخبرات العملية، والاختبارات التخصصية، مما يمنح مرونة في القبول. كما يمتاز التعليم الجامعي في ألمانيا بالتركيز على الجدارة الأكاديمية وتوفير بيئة تعليمية منخفضة التكلفة مقارنة بالعديد من الدول الأخرى.
أستراليا -موقع الطالب بين أقرانه: يعتمد القبول الجامعي فيها على نظام ATAR، وهو ترتيب نسبي يحدد موقع الطالب بين أقرانه بدل الاكتفاء بنسبة مئوية ثابتة. تقوم مراكز القبول مثل UAC و VTAC بإدارة طلبات الالتحاق وتحديد الحدود الدنيا للتخصصات عبر خوارزميات شفافة. تمنح بعض الجامعات نقاطًا إضافية للأنشطة أو الظروف الخاصة، مما يجعل النظام أكثر مرونة من الأنظمة القائمة على النسبة المئوية فقط. كما تُستخدم مسارات تمهيدية (Foundation Year) وبرامج الدبلوم كطرق بديلة للدخول إلى الدرجات الجامعية. ويمتاز النموذج الأسترالي بارتباط قوي بين الجامعات وسوق العمل، مع تركيز واضح على المهارات العملية والجاهزية المهنية.
دول شرق آسيا – صرامة عالية وتنظيم متقدم: تُعد الصين، اليابان، كوريا الجنوبية، وماليزيا من أكثر المناطق صرامة وتنظيمًا في نظم القبول الجامعي، حيث تتقاطع فيها ثقافة التنافس مع مركزية الامتحانات الوطنية. ففي الصين يعتمد القبول على امتحان Gaokao، وهو أحد أصعب الامتحانات عالميًا، ويُعد المحدد الأكبر لمستقبل الطالب الجامعي، مما يعطي دقة عالية في التقييم لكنه يفرض ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا شديدًا. أمّا كوريا الجنوبية فتتبنى امتحانًا قوميًّا مشابهًا، هو Suneung (CSAT)، ويُنظر إليه باعتباره حدثًا وطنيًا تتوقف له حركة الطيران والمرور لتمكين الطلبة من التركيز، ما يعكس أهمية الامتحان في تحديد مسار الحياة المهنية. وفي اليابان، يتجه النظام إلى نموذج أكثر توازنًا؛ فإلى جانب الامتحانات الوطنية، تستخدم الجامعات اختبارات خاصة، ومقابلات، وتقييمًا للملف الأكاديمي، مما يجعل النظام أكثر تعددية في أدوات التقييم. بينما تُعد ماليزيا حالة مختلفة داخل الإقليم؛ إذ تعتمد بوابة UPUOnline التي توفر نظام قبول مرنًا يتيح مسارات متعددة للدخول، مثل السنة التمهيدية (Foundation)، والدبلوم، والنقل بين المؤسسات، ما يقلل من حدة الإقصاء الناتج عن النتائج المباشرة. وتشير المقارنة العامة إلى أن الصين وكوريا تقدمان دقة وصرامة، بينما تميل اليابان إلى التعددية، وتقدم ماليزيا أعلى درجات المرونة.
دول المجلس والدول العربية – نماذج متعددة: تقدم دول مجلس التعاون الخليجي نماذج متعددة لأنظمة القبول الجامعي، تتراوح بين المنصات المركزية والقبول المؤسسي اللامركزي. ففي السعودية، تعتمد الجامعات الحكومية والكليات التقنية نموذجًا موحدًا يرتكز على اختبارات قياس (القدرات والتحصيل الدراسي)، وهو ما يمنح النظام قدرة أعلى على تقييم مهارات الطالب الأساسية، لكنه يضيف طبقة من الضغط على المتقدم. أما الإمارات فتستخدم منصة اتحادية تُعرف بـ NAPO، تُدير القبول في الجامعات الحكومية ضمن آلية موحدة تعتمد على الشهادة الثانوية، واختبارات EMSAT لبعض التخصصات، مما يجعل النظام أقرب إلى نموذج التقييم المتعدد. وفي قطر، يظل القبول الجامعي لامركزيًا تديره كل جامعة على حدة، مع وجود تركيز واضح على المنح والرعاية الأكاديمية، خصوصًا في جامعة قطر والجامعات الدولية. وتتبنى الكويت مسارًا مختلطًا، إذ أطلقت الحكومة بوابة قبول مركزية موحدة للجامعات الحكومية مع بقاء الجامعات الخاصة ضمن أنظمة مؤسسية مستقلة، بينما تعتمد البحرين بوابة إلكترونية حكومية eAdmission تتيح للطلبة التقديم للجامعة الوطنية وفق جدول زمني محدد وشروط واضحة. يمكن القول إن دول الخليج، رغم اختلاف نماذجها، تتقاطع في عدة عناصر وهي الاعتماد الكبير على النسبة المئوية في الثانوية العامة، على الرغم من وجود منصات إلكترونية متقدمة مع درجة متفاوتة من المركزية وغياب واضح — باستثناء السعودية بدرجة معينة — لنظم تقييم شاملة تعتمد على ملفات الكفاءات أو المقابلات.
أما على مستوى الدول العربية الأخرى، فتتنوع أنظمة القبول بحسب الهياكل التعليمية المحلية. ففي مصر، يستند القبول إلى نظام التنسيق الذي يعتمد على مجموع الثانوية العامة ويُعد من أكثر الأنظمة مركزية في المنطقة، لكنه يتعرض لانتقادات بسبب اعتماده شبه الكامل على الامتحان النهائي دون تقييمات أخرى. وفي الأردن، يعمل نظام القبول الموحد عبر وحدة تنسيق القبول، ويرتكز على معدل التوجيهي مع تخصيص مقاعد وفق مسارات موازية، ما يجعله أكثر مرونة نسبيًا. أما المغرب وتونس، فلديهما نماذج متنوعة تجمع بين المعدل العام والاختبارات الخاصة في التخصصات الصحية والهندسية. وفي لبنان، يختلف القبول جذريًا بين الجامعات، حيث تعتمد الجامعات الكبرى مثل الجامعة الأمريكية AUB والجامعة اللبنانية الأمريكية LAU على اختبارات القبول والمقابلات، في حين تعتمد الجامعة اللبنانية الرسمية على اختبار دخول خاص.
وتكشف هذه المقارنة أن الأنظمة العربية — سواء الخليجية أو غيرها — تميل غالبًا نحو الاعتماد على النسبة المئوية للشهادة الثانوية، مع تفاوت واضح في درجة المركزية وقدر الإرشاد الأكاديمي أو المهني وتنبي الحلول الرقمية. كما تظهر فجوة مشتركة في الربط بين القبول الجامعي وسوق العمل، رغم أنّ بعض الدول بدأت مؤخرًا في معالجة هذا الجانب عبر شراكات تشغيل ودعم برامج STEM، وهي مناهج تعليمية تدمج بين العلوم Science والهندسة Engineering والتكنولوجيا Technology والرياضيات Mathematics في إطار واحد قائم على التطبيق العملي وحل المشكلات.
كيف نستفيد من التجارب الدولية لتحديث نظام القبول الموحد؟
يمكن تبنّي نموذج متطور للقبول الجامعي في سلطنة عُمان بالاستفادة من تجارب الصين واليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا والولايات المتحدة وكندا وإنجلترا وألمانيا ودول الخليج. فالنقطة المشتركة بين هذه الدول أنها لا تعتمد على مؤشر واحد لتحديد مستقبل الطالب، بل تتبنى أنظمة متعددة الأبعاد تشمل المعدلات، والاختبارات، والمهارات، والأنشطة، والملفات الشخصية. ومن هنا، يمكن توسيع أدوات التقييم بحيث يصبح المعدل التنافسي عنصرًا مهمًا، لكنه ليس معيارًا مطلقًا.
ومن أبرز الخطوات إدخال اختبارات معيارية مرنة شبيهة بالنماذج اليابانية والبريطانية والأمريكية تُستخدم فقط في التخصصات التنافسية، مما يسمح بقياس الاستعداد الحقيقي للطالب ويخفف الضغط عن المعدل العام. كما يمكن تبنّي فكرة محفظة الكفاءات الرقمية التي أثبتت نجاحها في الولايات المتحدة وكندا؛ لتتضمن الأنشطة، والمشاريع، والدورات، والمهارات التقنية والشخصية، ويتم استخدامها في برامج محددة دون تحميل الطالب أعباء إضافية.
وتقدم ماليزيا نموذجًا ملهمًا لمسارات القبول المرنة؛ إذ يمكن اعتماد مسار تمهيدي أو دبلوم عبوري للطلبة الذين لم يحصلوا على مقاعد مباشرة، مما يحوّل الفرز من ثنائية “نجاح/فشل” إلى “خيار مباشر/خيار انتقالي”. كما توفر ألمانيا تجربة مميزة في “قوائم الانتظار الديناميكية” التي تمنع شغور المقاعد وتضمن الاستخدام الأمثل للقدرات الاستيعابية. ومن إنجلترا، يمكن الاستفادة من نموذج القبول المشروط وغير المشروط، الذي يمنح الطالب وضوحًا مبكرًا حول فرصه، ويشجعه على تحسين أدائه في الفترة المتبقية من العام.
إلى جانب ذلك، يمكن الاستفادة من تجارب دول الخليج – خصوصًا الإمارات – في تكامل بوابات القبول مع الاختبارات الوطنية واستراتيجيات التوجيه المهني، مما يخلق بيئة أكثر اتساقًا بين المدرسة والجامعة. كما يمكن إدماج التحليلات التنبؤية بالذكاء الاصطناعي على خطى الجامعات الأمريكية والكندية، بحيث يحصل الطالب على “احتمال قبول” في كل برنامج بناءً على بيانات السنوات السابقة، مما يعزّز الوعي ويقلل الأخطاء في ترتيب الرغبات. وأخيرًا، ينبغي تعزيز مؤشرات سوق العمل ضمن منصة القبول الموحّد، بحيث يرى الطالب أمام كل تخصص مستوى الطلب المستقبلي، ونسبة التوظيف، والمهارات المطلوبة، وهو ما أثبتت فعاليته في أستراليا وماليزيا.
توصيات لتحديث نظام القبول الموحد – نحو نظام مرن، متكامل، ومترابط مع سوق العمل
تهدف هذه التوصيات إلى تقديم إطار سياساتي للتطوير استنادًا إلى تحليل مقارن لنماذج القبول الجامعي في دول شرق آسيا، وأستراليا، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، ودول مجلس التعاون الخليجي. وتأتي هذه التوصيات بما يتوافق مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 المتعلقة ببناء اقتصاد قائم على المعرفة، ورفع كفاءة الموارد البشرية، وتعزيز المواءمة بين التعليم وسوق العمل.
المحور الأول: التحول نحو الإرشاد الذكي والتوجيه الإلكتروني: ويهدف إلى تطوير منظومة إرشاد رقمي تدعم اتخاذ القرار الأكاديمي والمهني.
الإجراءات التنفيذية:
- تصميم منصة “الإرشاد الذكي” باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي.
- بناء قاعدة بيانات تاريخية لـ 10 سنوات تشمل: القبول – التخصصات – المقاعد – نسب التوظيف.
- تطوير نموذج “احتمالات القبول” (Acceptance Probability Model).
- تصميم “لوحة تحكم الطالب” (Student Dashboard) مع توصيات للرغبات.
- تدريب المرشدين المدرسيين في المحافظات على استخدام أدوات الإرشاد الذكي.
الجهات المسؤولة: مركز القبول الموحد – وزارة التعليم العالي – وزارة التربية والتعليم – وزارة العمل – المركز الوطني للإحصاء والمعلومات.
المخرجات: منصة إرشاد ذكي + لوحة تحكم تحليلية + دليل إرشاد للمدارس.
المحور الثاني: إدخال الاختبارات المعيارية المرنة: وتهدف إلى توفير أدوات تقييم إضافية للتخصصات التنافسية دون تحميل الطلبة ضغطًا زائدًا.
الإجراءات التتنفيذية:
- تحديد البرامج التي تتطلب اختبارات معيارية (الطب – الهندسة – الفنون – التربية – اللغات).
- تصميم اختبارات معيارية وطنية خفيفة (Light National Assessment).
- التعاون مع الجامعات لتطوير اختبارات قبول خاصة لبعض البرامج (على غرار UCAT/BMAT).
- إطلاق مرحلة تجريبية لمدة سنة في ثلاث جامعات.
- تقييم النتائج وتعديل الاختبارات قبل التطبيق الوطني.
الجهات المسؤولة: مركز القبول – الجامعات الحكومية – مجلس التعليم – هيئة الاعتماد الأكاديمي.
المخرجات: أول اختبار معياري وطني مرن في السلطنة.
المحور الثالث: إنشاء محفظة الكفاءات الرقمية للطلبة: ويهدف إلى إدراج عنصر مهاري إضافي يعكس جاهزية الطلبة المهنية.
الإجراءات:
- تصميم نموذج موحد لمحفظة الكفاءات (Digital Competency Portfolio).
- تحديد أنواع الأدلة المقبولة (المشاريع – الدورات – العمل التطوعي – المهارات التقنية – التمارين البحثية).
- دمج المحفظةمع منصة القبول ضمن ملف الطالب.
- تدريب المدارس على توثيق الأنشطة وتسليم طلابها ملفات جاهزة.
- السماح للجامعات باستخدام المحفظة لضمان القبول النوعي.
الجهات المسؤولة: وزارة التربية والتعليم – مركز القبول – وزارة العمل – الجامعات.
المخرجات: ملف مهارات رقمي موحد لطلبة دبلوم التعليم العام.
المحور الرابع: الشفافية وتحسين البيانات: ويهدف إلى رفع كفاءة القرارات التعليمية وتوفير البيانات لصناع السياسات.
الإجراءات:
- نشر تقرير سنوي شامل لنتائج القبول (Analytics Report).
- عرض بيانات المقاعد الشاغرة حسب البرامج والجامعات.
- تحليل التوزيع الجغرافي ومقارنته بالمؤشرات الاجتماعية.
- إنشاء بوابة بيانات عامة (Open Data Portal) للباحثين.
- تطوير مؤشرات قياس الأداء للقبول (KPIs).
الجهات المسؤولة: مركز القبول – وزارة التعليم العالي – المركز الوطني للإحصاء.
المخرجات: تقرير سنوي رسمي + بوابة بيانات عامة.
المحور الخامس: الربط بمؤشرات سوق العمل الوطني: ويهدف جعل قرار اختيار التخصص مبنيًا على معلومات حقيقية عن فرص العمل.
الإجراءات:
- تحديث منصة القبول لتعرض “قابلية التوظيف” بجانب كل برنامج.
- ربط بوابة القبول بمنصة بيانات وزارة العمل (Labour Market Information System).
- بناء مؤشر وطني للتخصصات الحيوية (National Critical Skills Index).
- تحديث دليل البرامج سنويًا بناءً على احتياجات السوق.
- تخصيص مقاعد ذات أولوية وطنية في التخصصات الحرجة، مع رفع الطاقة الاستيعابية للبرامج المرتبطة بها وفق احتياجات سوق العمل.
الجهات المسؤولة: وزارة العمل – وزارة التعليم العالي – مركز القبول – المركز الوطني للإحصاء.
المخرجات: أول نظام قبول مرتبط تحليليًا بسوق العمل.
المحور السادس: تطوير المسارات الانتقالية المرنة: ويهدف إلى إعطاء الطلبة فرصًا إضافية للقبول خارج الفرز التقليدي.
الإجراءات:
- إدخال السنة التمهيدية (Foundation Year Oman) كنظام وطني موحد.
- إنشاء “برامج دبلوم عبوري” تسمح بالترقية للبكالوريوس بعد سنة أو سنتين.
- توسيع القبول الموازي للبرامج الحيوية.
- تطبيق “قوائم انتظار ديناميكية” كما في ألمانيا.
- التمازج بين التعليم التقني والمهني لفتح مسارات إضافية.
الجهات المسؤولة: جامعات حكومية – الكليات التقنية – وزارة التعليم العالي.
المخرجات: مسارات متعددة بديلة للفرز التقليدي.
الخاتمة
يمثل تطوير نظام القبول الموحد خطوة محورية في مسار الارتقاء بجودة التعليم العالي في سلطنة عُمان، ويعكس التزام الدولة ببناء منظومة تعليمية قادرة على التكيف مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. وتقدم هذه التوصيات إطارًا عمليًا شاملاً لتحديث النظام ليكون أكثر ذكاءً ومرونة، وأكثر ارتباطًا باحتياجات سوق العمل والمهارات المستقبلية. ويتيح هذا التحديث تحقيق مستوى أعلى من العدالة التعليمية، وترشيد الاختيارات الأكاديمية، وتقليل الفاقد في المقاعد الدراسية. إن تكامل الجهود بين مؤسسات التعليم العالي، والجهات الحكومية ذات العلاقة، وقطاعات التوظيف يعزز التكامل ويزيد من قدرة النظام على إنتاج مخرجات تعليمية تتناسب مع متطلبات الاقتصاد الوطني وتسهم في رفع إنتاجية وكفاءة رأس المال البشري. وفي ضوء ما تقدمه التجارب الدولية الرائدة من نماذج قابلة للتطبيق، تفتح المجال لبناء منظومة قبول جامعي أكثر استدامة وابتكارًا، بما يدعم الطموحات الوطنية ويخدم مسيرة التنمية في العقود المقبلة.




















اترك تعليقاً