
أحد الأصدقاء ونحن نتجاذب أطراف الحديث عن بدء العام الدراسي يقول بأسلوب فُكاهي: لو أتيحت الفرصة لأرى بعض معلِّميَّ السابقين لقمتُ بتقبيل يد عدد منهم، وألكُمُ البقيَّة كأنَّني «محمد علي كلاي»!!!
طبعًا لن أستهل المقالة بأنَّني ضد الأسلوب الذي عشته إبَّان وجودي في مرحلة التعليم الابتدائي وصولًا إلى الإعداديَّة، ولعلِّي أذكر جيدًا عصا أستاذ الرياضيَّات وهي تطير بطريقة قد لا يرصدها أي «رادارٍ ثابت أو متحرك» نَحْوَ يديَّ. أقول إنَّني لستُ ضد الأسلوب فلقد حفظت بفضل ذلك جدول الضرب وما نسيته إلى الآن رغم تخرجي من المنهاج الأدبي في الجامعة وفي ورحلة الماجستير.
ذلِكَ زمانٌ وانتهى، ولكُلِّ زمانٍ مُتطلباته المرحليَّة وأُسلوبه التربوي، ولا شك أنَّ التغييرات التي تحدُث يُراعى فيها الوقت والبيئة التي تتناغم مع التطور الحاصل في أساليب التعليم. ولكن ما لفَتْ انتباهي كأبٍ وقَبل بدء العام الدراسي ودخولنا الرسمي في العام الدراسي الجديد، وأثناء تبادل دور الطرافة مع أحد التلاميذ كون أنَّ إجازته الصيفيَّة شارفت على الانتهاء، فقد تفاجأت بدعائه العفوي (وهو في مرحلة ما بعد الحلقة الأولى من التعليم الأساسي): يــا رب، أرجوك، ما أريد المُعلِّم الفلاني: صعب التعامل، وأكبر همِّه هو إنهاء المنهج ولو على حساب فهمي، ناهيك عن رائحته…».
هذه الحكايات الصغيرة تكشف لنا حقيقة كبيرة: أنَّ التعليم ليس مجرد مقررات وواجبات، بل هو تجربة إنسانيَّة يعيشها الطالب مع مُعلِّمه، فالمُعلِّم الناجح لا يُقاس فقط بقدرته على إكمال المنهج، بل بقدرته على إشعال الفضول، وغرس الفضيلة، وبثِّ الدافعيَّة داخل نفوس تلاميذه، وهنا يظهر الفارق بَيْنَ المُعلِّم التقليدي، والمُعلِّم الكاريزمي.
الكاريزما في التعليم ليست سحرًا غامضًا، بل مزيجٌ رائعٌ من الصِّفات الإنسانيَّة والمهارات التربويَّة مُجتمعة في شخصِ المُعلِّم، وهو الذي يدخُل الصَّف بابتسامةٍ صادقة، فيشعر الطُّلاب بالارتياح، وهو الذي يستَخدم نبرة صوتِه ولغةَ جَسدهِ ليُضفي الحياة على الدرس، ويلفتُ الانتباه والاهتمام لحركة جسدِه ونبرة صوته وأُسلوبه التربوي وقدرتِه على جذِب الطالب تجاهه، فلا تبقى الكلمات التي يُعطيها الطالب حبرًا على الورق، بل تتحول إلى قِصة وحدَث وتجربة وروح.
المُعلِّم الكاريزمي ـ القُرَّاء الأعزَّاء ـ قُدوة قبَل أن يكون ملقِّنًا، فيراه الطالب نموذجًا يُحتذى به، وهو أيضًا يمتلك «ذكاءً عاطفيًّا» يجعله يفهم مشاعر طلابه ويستوعب مخاوفهم، فيتعامل معها بحكمة وصبر. والحقيقة التي يجب أن نفهمها هي أنَّ كثيرًا من الطُّلاب لا يكرهون المادَّة نفسها، بل يكرهون الطريقة التي قُدِّمت لهم بها والذي قدَّمها لهم. ورُبَّما يذكر كُلُّ واحد منَّا في حياته مُعلِّمًا لم ينْسَه لأنَّه كان الأقرب إنسانيًّا، والأكثر تأثيرًا في شخصيَّته، تلك هي الكاريزما التي نبحث عنها.
حقيقة القول إنَّ المُعلِّم يبذل جهودًا كبيرة، وهي مقدَّرة من أولياء الأمور، بل من المُجتمع بأكمله، وفي بيئة قد تكُونُ مضغوطةً إلى حدٍّ قد لا يتمكن من تطبيق كُلِّ هذه الاستراتيجيَّات. وقد ذكَر لي أكثر من مُعلِّم أنَّه يُعاني في بعض الأحيان من بعض الضُّغوطات المرتبطة بالحصص والمتطلبات الأخرى كالمناوبة وغيرها.
إذًا عندما نُطالب المُعلِّم بأن يكون مبتسمًا، ذا كاريزما، ذكيًّا عاطفيًّا، وصبورًا مع طلَّابه، فنحن نتحدث عن مهارات إنسانيَّة تحتاج طاقة ذهنيَّة ونفسيَّة كبيرة. ومن هذا المنبر، أوَجِّه دعوةً إلى المعنيين لتكثيف دَوْرات «الذَّكاء العاطفي» للمُعلِّمين، والنَّظر في إمكان تعزيز الدوافع التي تُقلِّل من التَّوَتُّر والضَّغط النَّفْسي والعملي. فحصَّة واحدة مع مُعلِّم مُلهِم تصنع فارقًا في حياة طالب وتجعله مُلهِمًا، أكثر ممَّا تفعله كتبٌ ومناهج بأكملها.. الطالب قد ينسى تفاصيل الدروس، لكنَّه لا ينسى أبدًا المُعلِّم الذي أشعل في قلبه شرارة الثقة والفضول.
إنَّ المُعلِّم الناجح ـ أحبَّتي ـ هو مفتاح نجاح الأُمَّة، فالمناهج مهما تطورت، والتقنيَّات مهما تسارعت، لن تؤتيَ ثمارها ما لم يكُنْ في مقدِّمة الصَّف شخٌص يملكُ جاذبيَّة إنسانيَّة تجعلُ التعليمَ مغامرة ممتعة لا عبئًا ثقيلًا. أن يكون أكثر من مجرد ناقل معرفة إلى مُعلِّمٍ صانِع للإلهام، وصدِّقوني أنَّ من هذا النوع كُثرًا وموجودين، وأسأل الله أن يزيد منهم وأن يُعينهم، فهم صانعو الأجيال.
ما ذُكر أعلاه، ليس استنقاصًا للجهود، وليس تعميمًا كذلك، بل دعوة إلى إعادة تَبنِّي الصياغات والسياسات التي تنظر إلى التميُّز في بناء مُعلِّم قادر على مشوار منهك ولكن محفوف بالرسالة الإنسانيَّة التي نسعى لها «بناء جيل للنهوض بُعمان إلى أُفق التطور الذي نتطلع إليه». حفظ الله عُمان، وسُلطان عُمان، وأهل عُمان.
كاتب عماني ـ الاتصالات الدولية والعلوم السياســـــية




















اترك تعليقاً