رحلة الابتعاث .. مزيج من الصعوبات والتجارب المثمرة

عُمان: كتب – عبدالعزيز العبري

يمثّل الابتعاث الخارجي أحد المسارات الحيوية والاستراتيجية التي تنتهجها سلطنة عُمان لإعداد كوادر وطنية مؤهلة ومجيدة قادرة على المنافسة والريادة في ميادين العلم والمعرفة على المستويين الإقليمي والدولي، ويأتي هذا المسار ليشكل جسرًا حقيقيًا بين الطموحات الوطنية والإنجازات الفردية للطلبة المبتعثين، كما يعكس التزام سلطنة عمان الراسخ بتنمية رأس المال البشري وتعزيز التميز الأكاديمي.

وبينما يفتح الابتعاث آفاقًا رحبة أمام الطلبة لاكتساب مهارات أكاديمية وثقافية متقدمة ومتنوعة، فإنه في الوقت ذاته يضعهم أمام تجارب متعددة الأبعاد، تتراوح بين تحديات جسيمة وفرص واعدة لإظهار القدرات وصقل المهارات وصياغة الشخصية الأكاديمية والمهنية المتكاملة.

وفي هذا السياق، يعرض عدد من الطلبة العُمانيين المبتعثين نماذج حية ومُلهمة من تجاربهم الأكاديمية والمعيشية في بلدان مثل ألمانيا، فرنسا، المغرب، والمملكة المتحدة، مستعرضين أبرز الصعوبات التي واجهوها، لاسيما في الجوانب اللغوية والثقافية والإدارية، إلى جانب ما قدموه من حلول مبتكرة ومقترحات عملية لتعزيز جودة تجربة الابتعاث العُمانية في الخارج وجعلها أكثر تأثيرًا في صياغة مستقبلهم المهني.

صعوبات أكاديمية ومعيشية

تحدثت تغريد بنت عبدالمنعم السعدية، طالبة بجامعة Technology Arts Sciences TH Köln في ألمانيا، عن أبرز التحديات الأكاديمية التي واجهتها، مشيرة إلى أن المناهج الجامعية هناك تُعد أكثر عمقًا وصعوبة مقارنة بما اعتادت عليه سابقًا، حيث تتسم بالدقة والتفصيل في جميع المواد العلمية، وهو ما يتطلب مستوى عالٍ من التركيز والمثابرة. وأوضحت أن البرامج التعليمية تعتمد بشكل كبير على الجانب التطبيقي والبحثي، خصوصًا في مواد مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات، وهو ما يُشكّل تحديًا إضافيًا للطلبة الدوليين الذين يتطلّب منهم التكيف مع أساليب تدريسية جديدة تمامًا، تتطلب جهدًا مضاعفًا لإتقان المفاهيم النظرية والتطبيقية معًا.

وأشارت إلى أن اللغة الأكاديمية والمصطلحات التخصصية كانت من أبرز العقبات، حيث يتطلب الأمر إلمامًا دقيقًا بالمفردات العلمية وصياغة صحيحة للجمل البحثية، وهو ما يستلزم جهدًا مضاعفًا عند إعداد البحوث والمشاريع العلمية المعقدة. وأضافت أن أصعب ما واجهته كان فهم صياغة الأسئلة البحثية بدقة واختيار المصطلحات العلمية المناسبة للتعبير عن الأفكار بشكل علمي رصين، مؤكدة أن الجامعة توفر نظامًا متطورًا للإرشاد الأكاديمي، لكن الاستفادة منه تتطلب مبادرة الطالب بالاستفسار والسؤال، وهو ما قد يكون تحديًا للطلبة الدوليين الجدد الذين يحتاجون وقتًا للتكيف مع البيئة الأكاديمية الجديدة.

وفي الجانب المعيشي، بيّنت السعدية أن العثور على سكن مناسب يمثل تحديًا كبيرًا، خصوصًا عند الانتقال بين المدن، إلى جانب ارتفاع أسعار الإيجارات في بعض المناطق بشكل قد يشكّل عبئًا ماليًا ملموسًا، مستدركة أن ذلك يشكل فرصة لتعلم الإدارة المالية الذكية وتنظيم الموارد الشخصية. وأكدت أن المخصصات المالية الممنوحة للطلبة تكفي نسبيًا، لكنها تتطلب إدارة دقيقة للموارد وترتيب الأولويات بعناية.

مؤكدةً أن هذا التحدي يسهم في صقل مهارات التخطيط المستقبلي لديهم. كما لفتت إلى أن البيئة الجديدة ساعدتها على تبني نمط حياة أكثر توازنًا وصحة، بفضل توفر خيارات غذائية طبيعية ومتنوعة، غير أن الحصول على التأمين الصحي قد يستغرق وقتًا طويلاً، فيما تختلف الجامعات في سياساتها بشأن النقل، فبعضها يوفر بطاقة شاملة للمواصلات برسوم إضافية، بينما يتحمل الطالب كامل التكاليف في جامعات أخرى، وهو ما يشكل تحديًا إضافيًا لإدارة الميزانية الشخصية بشكل فعّال.

تجربة ثقافية واجتماعية

من جانبها، أوضحت يقين بنت إسماعيل البلوشية، المبتعثة بجامعة محمد الخامس في الرباط تخصص قانون عام دولي، أن تجربتها مع المجتمع المغربي حملت مزيجًا غنيًا ومتنوعًا من التحديات والفرص الثمينة، مؤكدةً أن هذه التجربة تمنح الطالب فرصة لاكتساب مهارات التأقلم الثقافي وتوسيع المدارك الاجتماعية.

وقالت: إن بعض العبارات العُمانية قد تحمل معاني مختلفة في المغرب، مثل عبارة “الله يعطيك العافية” التي تُفهم هناك أحيانًا بشكل سلبي، وهو ما قد يؤدي إلى سوء فهم، لكنها اعتبرت ذلك فرصة للتعلم والتأقلم مع ثقافة جديدة وثرية،

بما يعزز الوعي بالاختلافات الثقافية ويطور مهارات التواصل بين الثقافات المختلفة.

وأضافت أنها لم تواجه صعوبة في تكوين صداقات بفضل شخصيتها الاجتماعية، بينما يواجه الطلبة الانطوائيون تحديات أكبر في الاندماج الاجتماعي، وهو ما يتطلب مبادرة أكبر لتعزيز مهارات التفاعل الاجتماعي. وأكدت أن الحفاظ على الهوية الوطنية واجب وطني، مشيرة إلى أنها اعتادت مشاركة العادات والتقاليد العُمانية مع المجتمع الجديد، مثل تقديم القهوة والعرسية في المناسبات والأعياد، ولاحظت تقديرًا واحترامًا كبيرًا للشخصية العُمانية من قبل المجتمع المغربي، الذي يرى المواطن العُماني نموذجًا للخلق الرفيع والاحترام المتبادل، وهو ما يعكس قدرة الطلبة على تمثيل الوطن بشكل مشرف في الخارج.

صعوبات الحياة والدراسة

أما عبدالحميد بن خلفان الرحبي، المبتعث إلى جامعة Université de Limoges في فرنسا، فقد وصف رحلته بأنها مزيج غني من التحديات والتجارب المثمرة، مؤكدًا أن أبرز الصعوبات تمثلت في التكيف مع اللغة الفرنسية، التي شكلت حاجزًا في البداية، إلى جانب التكيف مع العادات والتقاليد المختلفة عن المجتمع العُماني، مشيرًا إلى أن التغلب على هذه العقبات يتطلب صبرًا ومثابرة وقدرة على التعلم المستمر. وأضاف أن البعد عن الأهل والوطن عزز لديه تمسكه بالهوية والدين، حيث حرص على المشاركة في الاحتفالات الدينية والوطنية، إلى جانب إعداد المأكولات العُمانية كوسيلة للتعبير عن الانتماء والحفاظ على الثقافة الوطنية.

وأكد أن المعاملات الجامعية والحكومية مثل استخراج بطاقة الإقامة وفتح الحسابات البنكية والحصول على الدعم المالي شكّلت تحديًا إضافيًا، خصوصًا مع التأخر أحيانًا في الردود الرسمية، كما أن تكاليف المعيشة في فرنسا مرتفعة نسبيًا من حيث السكن والمصاريف اليومية، وهو ما يتطلب تخطيطًا ماليًا دقيقًا ومهارة في إدارة الموارد.

الجانب النفسي

وتحدث سالم بن علي الحاتمي، المبتعث بجامعة مانشستر في المملكة المتحدة، عن الجانب النفسي للابتعاث، موضحًا أن البعد عن الأهل والأصدقاء في بداية الدراسة كان أحد أصعب التحديات، خصوصًا مع اختلاف الطقس ونمط الحياة، لكنه أشار إلى أن التجربة منحتْه القدرة على الاعتماد على النفس وتعزيز الثقة في مواجهة الصعاب، مشددًا على أن مواجهة الغربة تعزز شخصية الطالب وتنمي مهارات التحمل والصبر. وأشاد بالخدمات الإرشادية والنفسية والاجتماعية التي توفرها الجامعات، معتبرًا أن مجرد معرفته بوجودها يمنحه طمأنينة، حتى لو لم يستخدمها بشكل مباشر. وأكد أن التواصل المستمر مع أسرته عبر مكالمات الفيديو والرسائل ساهم في تخفيف مشاعر الغربة، معبّرًا عن افتقاده للأجواء الاجتماعية وروح الجماعة التي تميز المجتمع العُماني، مؤكدًا أن ذلك يجعل الطالب أكثر قدرة على التعامل مع تحديات الحياة بمستوى عالٍ من المرونة والانضباط.

مقترحات وحلول

وفي محور المقترحات، أوصى الطلبة بتفعيل دور الملحقيات الثقافية في تسهيل إجراءات القبول بالجامعات المرموقة ودعم الطلبة إداريًا وأكاديميًا بشكل أوسع، مؤكدين أن توفير معلومات دقيقة وسريعة يسهم في تسهيل رحلة الابتعاث وتقليل الضغوط النفسية والإدارية. كما طالبوا بتوسيع المبادرات التي تشجع الطلبة العُمانيين على المشاركة الفاعلة في الجمعيات الطلابية والأنشطة الثقافية والعلمية، بما يعزز حضورهم في الجامعات ويتيح لهم تبادل الخبرات والمعرفة، ويسهم في بناء شبكة علاقات قوية تدعمهم خلال مسيرتهم الأكاديمية.

ورأى الطلبة أن تعزيز التعاون بينهم يمكن أن يتم عبر الجمعيات الطلابية التي تشكّل مظلة جامعة تتيح فرصًا للتفاعل العلمي والاجتماعي وتبني شبكة قوية من العلاقات والدعم المتبادل، كما يمكن أن تصبح منصة لتبادل الأفكار والخبرات، ورفع مستوى الإبداع والابتكار.

كما وجهوا نصائح للطلبة الجدد بأهمية منح أنفسهم الوقت الكافي للتأقلم، وعدم الضغط على النفس في البدايات، مع ضرورة طلب المساعدة عند الحاجة من الزملاء أو خدمات الدعم المتاحة، والحفاظ على التوازن بين التحصيل الأكاديمي والحياة الاجتماعية، بالإضافة إلى الاهتمام بالصحة النفسية باعتبارها ركيزة لا تقل أهمية عن الجانب الأكاديمي، وتساعد على بناء شخصية متكاملة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

[thumb_vote align="right"]

Image

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الإضافات