حين تحترق الفصول: قراءة في أسباب موجة العنف بالمدارس الثانوية الفرنسية

فصل دراسي فارغ في ثانوية فرنسية

ليس من السهل أن ترى مدرسةً تحترق. فالمدرسة مكان يُفترض أن تُحَلّ فيه الخلافات بالكلمة والحجة، لا بالنار والألعاب النارية. لكن هذا ما تشهده فرنسا منذ منتصف سبتمبر 2026. بدأ الأمر حصارًا طلابيًا لثانوية واحدة في كريتاي جنوب شرق باريس، عقب إضراب للمعلمين احتجاجًا على نقص الإمكانات والموظفين، ثم امتد حتى تعطّلت الدراسة في 891 ثانوية يوم السادس من أكتوبر. وعلى هامش تظاهرات وصفتها المصادر الكبرى بأنها سلمية في معظمها، وقعت أعمال عنف لافتة: قال وزير التربية إن 24 ثانوية أُحرقت أو خُرّبت، وأُعلن عن 215 طالبًا مصابًا، وعن أكثر من مئة من موظفي التعليم المصابين، نحو نصفهم مديرو مدارس أو نوابهم.

هذه الأرقام تدعو إلى التوقف والتأمل. والسؤال الذي يعنينا بوصفنا مهتمين بالشأن التربوي ليس “من المذنب؟” فقط، بل أيضًا: كيف تتحول مطالب مشروعة بتحسين التعليم إلى مشهد تُستهدف فيه المدرسة نفسها؟

أولًا: فصول بلا معلمين وصفوف مكتظة

جذور الأزمة تربوية قبل أن تكون أمنية. فأولى مطالب الطلاب هي تعويض المعلمين الغائبين، ومعالجة نقص الكوادر، وتخفيف اكتظاظ الفصول. والطالب الذي يجلس ساعات في فصل مزدحم، أو ينتظر معلمًا لا يأتي، يشعر أن حقه في التعلم مُهدَر. ولعل إعلان الحكومة في الثامن من أكتوبر عن نشر 3000 معلم بديل اعتراف ضمني بحجم الفجوة، وإن رأت نقابات أن الإجراء “دون المتوقع بكثير”.

ثانيًا: مبانٍ متهالكة ونظام يعاني نقص التمويل

يطالب الطلاب كذلك بترميم المباني المتهالكة وغير المهيأة للحر الشديد، وتطالب بعض المنظمات الطلابية بضخ 10 مليارات يورو عاجلة في التعليم. في المقابل، ينص مشروع موازنة 2027 على زيادة ميزانية التعليم بنسبة 1.4%، في بلد يعاني عجزًا ودَينًا عامين مرتفعين. والمفارقة المؤلمة أن العنف زاد الأعباء: فقد قدّر مصدر حكومي الأضرار بثلاثين مليون يورو على الأقل. وقد أصاب رئيس الوزراء حين قال إن “إحراق ثانوية لا يُحسّن حالة مبانيها”.

ثالثًا: حين لا يشعر الطالب أنه مسموع

يتجاوز ما يجري الشكوى من الإمكانات. فثمة شعور بأن أصوات الطلاب لا تصل، وأن قنوات الحوار داخل المدرسة ضعيفة أو شكلية. ولذلك جاءت بعض الاستجابات الرسمية في هذا الاتجاه تحديدًا: تعليق الدروس نصف يوم من أجل “وقت للديمقراطية الداخلية”، وإطلاق منصة تشاور إلكترونية تلقت 67 ألف مساهمة. وأشار تقرير عن انعكاسات الأزمة إلى أن مجالس الحياة الثانوية وقنوات الحوار المنتظمة جزء من الحل. فالحوار حين يأتي متأخرًا يصبح إطفاءً للحريق، وحين يكون حاضرًا من البداية قد يمنع اندلاعه.

رابعًا: سلمية الحراك واستغلاله من أطراف خارجية

لا يصح أن يُختزل حراك واسع في أعمال التخريب. فالمصادر الكبرى تصف معظم التظاهرات بأنها سلمية. لكن على هامشها ظهر من يستغلها. يقول وزير التربية إن “عناصر شديدة العنف تسللت” إلى الحراك، وتتحدث نقابة مديري المدارس عن دخول عناصر من الخارج تمارس “نوعًا من حرب العصابات الحضرية”. وفي لورمون قرب بوردو، دخل نحو ثلاثين شابًا ملثمًا ثانوية فخرّبوها وسرقوا أجهزتها وأشعلوا فيها حريقًا، ووصف التلاميذ والمدير معظم المقتحمين بأنهم “من خارج المدرسة”، غير أن السلطات لم تؤكد ذلك رسميًا. ولا تزال هوية مُشعلي حريق ثانوية نيلسون-مانديلا في نانت مجهولة. لذلك يحسن الحذر في التعميم، سواء بتحميل الطلاب كل ما جرى أو بتبرئتهم منه.

خامسًا: مقاربة أمنية وإصابات بين القاصرين تغذي التصعيد

في المقابل، لا يمكن تجاهل أثر المعالجة الأمنية. فقد فقد طالب في الخامسة عشرة يده قرب ثانوية في لنس بعد انفجار قنبلة للشرطة، والروايات حول ملابسات الحادثة متضاربة وهي قيد التحقيق. وأُصيب طالب في الرابعة عشرة بكسر في فكه بقنبلة غاز مسيل للدموع، ووُجّهت تهمة إلى الشرطي الذي أطلقها. وتفيد أرقام وزارة العدل بأن نحو 6800 شخص وُضعوا قيد الحجز منذ بدء الحراك، 86% منهم قاصرون. وقد فُتح 18 تحقيقًا داخليًا في سلوك الشرطة، وعلّقت الحكومة استخدام نوع من القنابل الصوتية، وعبّرت المفوضية الأممية لحقوق الإنسان عن “قلقها”. وفي المقابل أصيب 761 شرطيًا ودركيًا وفق وزير الداخلية. تكشف هذه الصورة المزدوجة حلقة مفرغة: كل إصابة لقاصر تزيد الغضب، وكل تصعيد يستدعي ردًا أشد.

سادسًا: تطبيع العنف والألعاب النارية، وتاريخ من الاعتداء على المعلمين

لفت وزير التربية إلى “تطبيع” استخدام الألعاب النارية الثقيلة المعروفة بـ”الهاون” حول المدارس، كما حدث في ليون وبلفور وأنغوليم خلال يومين فقط. ولهذا السلوك خلفية مقلقة في فرنسا: مقتل المعلم صموئيل باتي عام 2020، ومقتل المعلم دومينيك برنار عام 2023، ومقتل مساعدة تربوية طعنًا أمام إعدادية في نوجان عام 2025، وطعن معلمة في ساناري-سور-مير في فبراير من هذا العام. وقد اختلفت هذه الحوادث في طبيعتها عن الأزمة الحالية، لكنها تشير إلى تآكل تدريجي لهيبة المدرسة وحرمتها. وتلاحظ نقابة المديرين أن تحوّل المباني نفسها إلى “رموز وأهداف” أمر لم يُعهد في الحركات السابقة. ويلخص أحد مسؤوليها شعور زملائه بقوله: “صرنا نشعر بأننا أهداف”.

دروس لنظمنا التعليمية

ما يجري في فرنسا شأن يخص أهلها، ولكل بلد ظروفه. لكن التجربة تحمل دروسًا تستحق التأمل لكل من يعنيه أمر المدرسة.

أولها: الإصغاء المؤسسي للطلاب. فالمجالس الطلابية وبرلمانات الطلبة ينبغي أن تكون قنوات فاعلة ومنتظمة لا مجرد هياكل شكلية، يشعر الطالب من خلالها أن رأيه يصل وأنه يُؤخذ بالحسبان.

ثانيها: الاستثمار المستدام في التعليم. فالكوادر الكافية، والفصول غير المكتظة، والمباني الملائمة لمناخنا الحار، ليست ترفًا بل أساس للاستقرار. والإنفاق الوقائي أقل كلفة من إصلاح ما يتلفه الغضب.

ثالثها: خطط السلامة والطوارئ. فقد أظهرت حادثة أنغوليم قيمة خطط الاحتماء والإخلاء المجربة، والتواصل السريع مع أولياء الأمور، ووجود خطط لاستمرار التعليم عن بُعد حين تتعطل الدراسة الحضورية. كما أظهرت قيمة الدعم النفسي للطلاب بعد الحوادث، كما حدث في بلفور.

رابعها: حماية المعلمين والإداريين. فالذين يقفون في واجهة المدرسة يحتاجون إلى حماية قانونية ومهنية واضحة، وإلى أدلة إجرائية تحدد متى يُغلق المبنى ومتى يُستدعى الدعم، حتى لا يُترك أحدهم وحيدًا أمام موقف لا يحتمله.

وخامسها: التوازن في المعالجة. فحفظ النظام في محيط المدرسة لا ينبغي أن يتحول إلى خطر على سلامة القاصرين، والحزم مع المخربين لا يعني إغلاق باب الحوار مع أصحاب المطالب.

خاتمة

أظهر استطلاع للرأي أن 72% من الفرنسيين يرون مطالب الطلاب مشروعة، وأن 55% يريدون توقف الاحتجاجات. وفي هذين الرقمين معًا خلاصة الموقف المتوازن: المطالب مشروعة، والعنف مرفوض أيًّا كان مصدره. فلا شيء يبرر إحراق مدرسة أو الاعتداء على مدير، ولا شيء يبرر كذلك أن يفقد فتى في الخامسة عشرة يده في محيط مدرسته.

المدرسة الآمنة لا تُبنى بالأسوار والبوابات وحدها، بل بالثقة: ثقة الطالب بأنه مسموع، وثقة المعلم بأنه محمي، وثقة المجتمع بأن التعليم أولوية فعلية. وحين تغيب هذه الثقة تصبح الفصول، كما رأينا، أول ما يحترق.

أسرة تحرير مدارسنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الإضافات

الزَّبَد والنافع

الزَّبَد والنافع

7 أكتوبر، 2026 0 17