
تداولت وسائل الإعلام المحلية خبرًا عن المشاريع الطلابية التي طورتها جامعات السلطنة؛ مرهم طبي يعتمد على حرير العنكبوت، واللبان العُماني لتسريع التئام الجروح، ومنصة تعليمية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتخصيص المحتوى الأكاديمي، ومشروع لإنتاج الأعلاف من الطحالب البحرية، وخلايا شمسية بمواد بديلة للسيليكون، وحاويات ذكية لإدارة النفايات، ومواد نانوية مصنوعة من مخلفات البناء. وبدا الخبر كأنه امتداد طبيعي للأخبار المعتادة التي تحتفي بمشاريع الطلبة في نهاية كل عام أكاديمي، ولكن هذه المشاريع من زاوية مختلفة تثير سؤالًا أكثر أهمية من المشاريع نفسها، وهو ما إذا كانت الجامعات قد بدأت بالفعل في التحول من مؤسسات يقتصر دورها على تخريج حملة الشهادات الأكاديمية إلى مؤسسات تنتج شركات وتقنيات وصناعات جديدة، أم أن هذه المبادرات هي نجاحات فردية لم تدخل بعد إلى منظومة اقتصادية متكاملة.
من قاعات المحاضرات إلى محركات الاقتصاد
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه في الحقيقة يمثل أحد أهم الأسئلة التي تشغل الحكومات والجامعات في العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لأن مفهوم الجامعة نفسه تغيّر بصورة جذرية. فمعظم دول العالم المتقدم لم تعد تنظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة تعليمية تؤدي وظيفتين تقليديتين هما التدريس والبحث العلمي، بل أصبحت تؤدي وظيفة ثالثة لا تقل أهمية، وهي تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية عبر تأسيس الشركات الناشئة، ونقل التكنولوجيا إلى الصناعة، وتسجيل براءات الاختراع، واستقطاب الاستثمارات، وخلق وظائف جديدة، والمساهمة المباشرة في الناتج المحلي الإجمالي.
لقد أدركت الاقتصادات الكبرى منذ وقت مبكر أن المعرفة التي تبقى داخل المختبرات لا تغير الاقتصاد، وأن الورقة العلمية المنشورة، مهما بلغ تأثيرها الأكاديمي، لا تخلق وظيفة واحدة إذا لم تتحول إلى منتج أو شركة أو صناعة. ولهذا السبب لم تعد الجامعات العالمية تقاس بعدد خريجيها فقط، ولا بعدد الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية، وإنما بعدد الشركات التي خرجت من مختبراتها، وعدد براءات الاختراع التي وصلت إلى الأسواق، وحجم الاستثمارات التي استطاعت جذبها، ومدى مساهمتها في بناء قطاعات اقتصادية جديدة.
ولعل أشهر مثال على ذلك جامعة ستانفورد، التي لم تحقق مكانتها العالمية بسبب جودة برامجها التعليمية فحسب، بل لأنها لعبت دورًا محوريًا في نشأة وادي السيليكون، حتى أصبح يُقدَّر أن الشركات التي أسسها خريجوها وأعضاء هيئتها التدريسية توظف ملايين الأشخاص حول العالم وتحقق إيرادات سنوية تقدر بتريليونات الدولارات، بينما تشير الدراسات الخاصة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى أن الشركات التي أسسها خريجو المعهد عبر العقود تجاوز عددها ثلاثين ألف شركة. ولم يتحقق ذلك لأن هذه الجامعات تمتلك المختبرات الأفضل وإنما لأنها نجحت في بناء منظومة تجعل الطريق من الفكرة إلى السوق طريقًا واضحًا وممولًا ومدعومًا قانونيًا واستثماريًا.
هذه الحقيقة هي التي دفعت كثيرًا من الحكومات إلى إعادة النظر في سياسات التعليم العالي، لأن الاقتصاد العالمي نفسه تغيّر. فوفق بيانات المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، أصبحت الدول التي تتصدر مؤشرات الابتكار هي نفسها الدول التي تستثمر بكثافة في البحث والتطوير، حيث تنفق كوريا الجنوبية نحو 5%، والولايات المتحدة أكثر من 3%، وهي نسب تعكس قناعة راسخة بأن الاستثمار في المعرفة لم يعد بندًا أكاديميًا، بل أصبح سياسة اقتصادية واستراتيجية وطنية.
وقد شهدت السلطنة خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في الإنفاق على البحث والتطوير، إذ أظهرت نتائج مسح البحث والتطوير 2025 أن حجم الإنفاق بلغ 160.3 مليون ريال عُماني خلال عام 2024، بما يعادل 0.42% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى من مستويات السنوات السابقة، كما أن اللافت في هذه النتائج هو أن القطاع الخاص أصبح الممول الأكبر للإنفاق على البحث والتطوير بنسبة 46%، مقابل 33% للقطاع الحكومي و21% لمؤسسات التعليم العالي، وهو مؤشر إيجابي على اتساع قاعدة المشاركة في تمويل الابتكار. ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية لهذه الأرقام تقود إلى استنتاجين. الأول أن السلطنة قطعت بالفعل خطوات مهمة في بناء منظومة وطنية للبحث العلمي وظهور مشاريع طلابية أكثر ارتباطًا باحتياجات الاقتصاد الوطني. أما الاستنتاج الثاني فهو أن الطريق ما يزال طويلًا لأن الفجوة الرقمية بين 0.42% في عُمان وأكثر من 5% في بعض الدول الرائدة لا تعكس فقط فرقًا في حجم الإنفاق، وإنما تعكس اختلافًا في مرحلة تطور المنظومة بأكملها، بدءًا من التمويل، ومرورًا بالتشريعات، ووصولًا إلى قدرة الجامعات على تحويل المعرفة إلى شركات منتجة وناجحة.
وهنا تحديدًا يصبح الخبر الذي نشرته الاعلام المحلي أكثر أهمية مما يبدو عليه لأول وهلة؛ فالقيمة الحقيقية لهذه المشاريع لا تكمن في أنها ستة أو سبعة ابتكارات جديدة، وإنما في أنها تعكس بداية تغير في نوعية التفكير داخل الجامعات. فلم تعد أغلب المشاريع تدور حول إنشاء تطبيق جديد أو منصة إلكترونية مكررة، بل أصبحت تتجه نحو التكنولوجيا الطبية، والطاقة المتجددة، والمواد المتقدمة، والاقتصاد الدائري، والذكاء الاصطناعي، وهي المجالات التي تعرف عالميًا باسم التقنيات العميقة وهي التي تقوم عليها الاقتصادات الأكثر تقدمًا في العالم.
أين تقف جامعاتنا على خريطة الجامعات الريادية؟
لو عدنا إلى الوراء عقدين من الزمن، لوجدنا أن النقاش حول الجامعات المحلية كان يتركز في زيادة أعداد المقبولين، وافتتاح تخصصات جديدة، وتحسين جودة البرامج الأكاديمية، والحصول على الاعتماد المؤسسي والبرامجي، وهي كلها أهداف كانت ضرورية في مرحلة البناء. أما اليوم، فإن الخطاب الرسمي في السلطنة تغير بصورة ملحوظة، وأصبحت مفاهيم مثل الابتكار، وريادة الأعمال، والاقتصاد المعرفي، والبحث التطبيقي، والملكية الفكرية، ونقل التكنولوجيا، حاضرة في الخطط الوطنية وفي برامج الجامعات والحاضنات والمؤسسات الحكومية. وهذا التحول الفكري في حد ذاته يمثل خطوة مهمة، لأن الاقتصادات لا تتغير قبل أن تتغير طريقة التفكير فيها.
ويكفي النظر إلى طبيعة المشاريع التي برزت في الجامعات خلال السنوات الأخيرة لندرك أن ثمة تحولًا نوعيًا يحدث بالفعل. ففي السابق كانت معظم مشاريع التخرج تنتهي بتقرير يوضع على رف المكتبة الجامعية، أو نموذج أولي يعرض في معرض ثم يختفي بعد انتهاء الفعالية. أما اليوم فنجد مشاريع في مجالات التكنولوجيا الطبية، والمواد المتقدمة، والطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الدائري، والأمن الغذائي، وهي المجالات نفسها التي تستحوذ على معظم الاستثمارات العالمية في التقنيات العميقة. وهذا لا يعني أن جميع هذه المشاريع ستتحول إلى شركات ناجحة، لكنه يعني أن الجامعات بدأت توجه طاقاتها نحو مشكلات اقتصادية وصناعية حقيقية، بدلًا من الاكتفاء بالمشاريع النظرية.
ومن اللافت أيضًا أن هذا التحول لا يقتصر على جامعة واحدة، بل أصبح يظهر في جامعات حكومية وخاصة على حد سواء، وهو مؤشر على أن ثقافة الابتكار بدأت تنتشر داخل منظومة التعليم العالي، وليس داخل مؤسسة بعينها. كما أن إنشاء الحاضنات ومراكز الابتكار، وإطلاق برامج التمويل الأولي، وتوسيع مسابقات ريادة الأعمال، كلها تعكس أن البيئة الجامعية أصبحت أكثر استعدادًا لدعم الأفكار الريادية مقارنة بما كانت عليه قبل عشر سنوات. ولكن القضية الجوهرية في وجود منظومة قادرة على استثمار هذه الأفكار والمشاريع، وماذا يحدث بعد أن يفوز المشروع في مسابقة جامعية؟ أو ماذا يحدث بعد انتهاء معرض الابتكار؟ أوماذا يحدث بعد تسجيل براءة الاختراع؟ هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها في الواقع هي التي تحدد ما إذا كانت الجامعة تنتج معرفة فقط، أم تنتج اقتصادًا.
إن أحد التحديات الرئيسية في كثير من الاقتصادات الصاعدة يتمثل فيما يسميه خبراء الابتكار “وادي الموت” (Valley of Death)، وهو المرحلة الواقعة بين نجاح الفكرة علميًا وبين نجاحها تجاريًا. ففي هذه المرحلة تكون التقنية قد أثبتت جدواها داخل المختبر، لكنها تحتاج إلى تمويل إضافي، وتجارب صناعية، وحماية قانونية، وشركاء تجاريين، وخبرات تسويقية قبل أن تصبح منتجًا يمكن بيعه. وتشير الدراسات الدولية إلى أن نسبة كبيرة من الابتكارات الجامعية تتوقف عند هذه المرحلة، ليس لأنها أفكار سيئة، وإنما لأن المنظومة المحيطة بها غير مكتملة. ومن هنا، فإن التحدي لا يبدو في نقص الأفكار بقدر ما يبدو في بناء المسار الذي تنضج فيه هذه الأفكار. فالمبتكر الشاب يحتاج إلى بيئة تسمح له بالانتقال تدريجيًا من الباحث إلى رائد الأعمال، دون أن يضطر إلى خوض كل مرحلة وحده. ففي الجامعات العالمية تتولى مكاتب نقل التكنولوجيا تقييم الجدوى التجارية للاختراع، بينما يتولى المستثمرون تمويل المراحل الأولى، وتدخل الشركات الصناعية لاختبار المنتج، ثم تتولى صناديق رأس المال الجريء تمويل النمو. أما إذا غابت إحدى هذه الحلقات، فإن الابتكار غالبًا ما يتوقف قبل أن يصل إلى السوق.
وهنا يظهر أمر آخر لا يقل أهمية، وهو قياس النجاح. ففي كثير من الأحيان يجري الاحتفاء بعدد براءات الاختراع المسجلة أو بعدد المشاريع المشاركة في المسابقات، وهي مؤشرات مهمة، لكنها ليست كافية. فالاقتصادات المتقدمة تسأل أسئلة مختلفة: كم براءة اختراع تم ترخيصها لشركة؟ كم شركة ناشئة خرجت من الجامعة واستمرت بعد خمس سنوات؟ كم استثمارًا خاصًا جذبته؟ كم وظيفة وفرتها؟ وما حجم الإيرادات التي حققتها؟ فهذه المؤشرات تعكس الأثر الاقتصادي الحقيقي للجامعة، لأنها تربط بين النشاط الأكاديمي والنمو الاقتصادي.
ولعل من أبرز التحديات التي تواجه الباحثين وصناع القرار في أن البيانات المتعلقة بهذه المؤشرات ما تزال محدودة النشر مقارنة بما هو متاح في الجامعات العالمية، ومن هنا، فإن نشر مؤشرات سنوية موحدة للجامعات حول مخرجات الابتكار سيكون خطوة مهمة، ليس فقط لتعزيز الشفافية، بل أيضًا لتوجيه السياسات العامة بناءً على بيانات قابلة للقياس. ومن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن البيئة الاقتصادية في عُمان ما يزال في مرحلة النمو، وهو ما يجعل تحويل الابتكار إلى شركة عملية أكثر تعقيدًا. لكن هذا لا يعني أن النجاح مستحيل، بل يعني أن النموذج العُماني ينبغي أن يُبنى وفق خصائص الاقتصاد العُماني، لا أن يكون نسخة مستنسخة من الخارج. فالسلطنة تمتلك مزايا تنافسية لا تملكها دول أخرى، مثل موقعها اللوجستي، ومواردها البحرية، وتنوعها البيئي، وقطاعي الطاقة والتعدين، وهي مجالات يمكن أن تصبح أساسًا لابتكارات ذات قيمة مضافة عالية إذا جرى توجيه البحث العلمي نحوها بصورة أكثر تكاملًا مع احتياجات الصناعة. كما أن رؤية عُمان 2040 وضعت الابتكار والاقتصاد القائم على المعرفة ضمن أولوياتها، وهو ما يوفر إطارًا استراتيجيًا مهمًا، إلا أن نجاح الرؤية لن يقاس بعدد المبادرات التي أُطلقت، بل بقدرتها على تحويل هذه المبادرات إلى شركات ومنتجات وصادرات وتقنيات تحمل علامة “صنع في عُمان”. فالرؤى الوطنية تُقاس في النهاية بالأثر الاقتصادي والاجتماعي الذي تتركه، لا بعدد الوثائق أو البرامج التي تصدر عنها.
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية في هذا النقاش، وهو: إذا كانت الجامعات تنتج المعرفة، فمن المسؤول عن تحويل هذه المعرفة إلى اقتصاد؟ هل تقع المسؤولية على الحكومة وحدها؟ أم على الجامعات؟ أم على القطاع الخاص؟ أم أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب منظومة تجعل كل طرف يؤدي دوره بصورة متكاملة؟.
الحلزون الخماسي
لقد شاع خلال العقود الماضية مفهوم يعرف في أدبيات الابتكار باسم “الحلزون الثلاثي” (Triple Helix Model)، وهو نموذج طوره الباحثان هنري إتزكوفيتز ولويت ليدسدورف، ويقوم على أن الابتكار الحقيقي يولد من التفاعل المستمر بين الجامعة، والحكومة، والصناعة، وليس من عمل كل طرف بمعزل عن الآخر. ثم تطور هذا النموذج لاحقًا إلى ما يعرف بـ الحلزون الرباعي والخماسي، بإضافة المجتمع المدني والبيئة بوصفهما عنصرين مؤثرين في الابتكار. وإذا تأملنا تجارب الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وسنغافورة وفنلندا، نجد أن نجاحها لم يكن نتيجة تفوق الجامعات وحدها، بل نتيجة نجاح هذه الأطراف في العمل داخل منظومة واحدة تتقاسم المخاطر والعوائد.
وفي الحالة العُمانية، لا يمكن إنكار أن الحكومة قامت خلال السنوات الأخيرة بخطوات مهمة. فقد تبنت رؤية عُمان 2040 مفهوم الاقتصاد القائم على المعرفة، وأُنشئت وزارة التعليم بصيغتها الحالية لتعكس هذا التوجه، كما توسعت برامج دعم الابتكار، وأطلقت مبادرات لتمويل المشاريع البحثية، وأصبحت قضايا الملكية الفكرية وريادة الأعمال جزءًا من الخطاب الوطني. وهذه خطوات أساسية، لأن بناء اقتصاد المعرفة يبدأ بإرادة سياسية واضحة. لكن التجارب الدولية تعلمنا أيضًا أن دور الحكومة لا ينتهي عند التمويل. ففي الدول الرائدة، تعمل الحكومات على إزالة العوائق التنظيمية أمام تأسيس الشركات الجامعية، وتبسيط إجراءات ترخيص التقنيات الجديدة، ومنح حوافز ضريبية للشركات التي تستثمر في البحث العلمي، وتشجيع المشتريات الحكومية من الشركات الناشئة، لأن الدولة نفسها تصبح في كثير من الأحيان أول عميل للتكنولوجيا المحلية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، إذ إن كثيرًا من الشركات الناشئة لا تفشل بسبب ضعف تقنياتها، وإنما لأنها لا تجد أول عميل يمنحها الثقة اللازمة لدخول السوق.
أما الجامعات، فإن دورها لم يعد يقتصر على التدريس وإجراء البحوث. فالجامعة الريادية هي التي تراجع مناهجها باستمرار لتربطها باحتياجات الاقتصاد، وتشجع أعضاء هيئة التدريس على التعاون مع الصناعة دون أن يُنظر إلى ذلك باعتباره نشاطًا ثانويًا، وتكافئ الباحث الذي ينجح في تحويل اختراعه إلى منتج كما تكافئ الباحث الذي ينشر في مجلة علمية مرموقة. ففي كثير من الجامعات العالمية أصبحت براءات الاختراع، واتفاقيات الترخيص، وتأسيس الشركات الناشئة، تدخل ضمن معايير الترقية الأكاديمية، لأنها تعكس أثرًا علميًا واقتصاديًا في الوقت نفسه. غير أن الحلقة التي تبدو الأكثر حاجة إلى التطور في معظم الاقتصادات الناشئة هي القطاع الخاص. ففي الاقتصادات المتقدمة لا تنتظر الشركات أن تعرض عليها الجامعات أفكارها، بل تذهب بنفسها إلى الجامعات بحثًا عن حلول لمشكلاتها التقنية، وتمول المختبرات، وتشارك في تصميم البرامج الأكاديمية، وتمنح الطلبة فرص التدريب، وتستثمر في الشركات الناشئة قبل أن تصل إلى مرحلة الربحية. وبهذا تصبح العلاقة بين الجامعة والصناعة علاقة شراكة استراتيجية، لا علاقة توظيف بعد التخرج. وفي عُمان، ورغم وجود شركات وطنية كبرى في مجالات الطاقة واللوجستيات والتعدين والاتصالات والقطاع المالي، فإن الفرصة ما تزال قائمة لتعميق هذا النوع من الشراكات. فبدلًا من أن تقتصر المسؤولية الاجتماعية للشركات على تمويل الأنشطة والفعاليات، يمكن توجيه جزء أكبر منها إلى تمويل البحث التطبيقي، وإنشاء صناديق استثمار مشتركة مع الجامعات، ورعاية المختبرات المتخصصة، واحتضان الشركات الجامعية الواعدة. فكل ريال يُستثمر في المعرفة قد يتحول مستقبلاً إلى شركة أو تقنية أو صناعة جديدة، بينما يظل الإنفاق التقليدي محدود الأثر إذا لم يُترجم إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
ولا يقل دور المجتمع أهمية عن بقية الأطراف، رغم أنه كثيرًا ما يُغفل في النقاشات. فالمجتمع هو الذي يصنع ثقافة تقبل المخاطرة، واحترام الفشل بوصفه جزءًا من عملية التعلم، وتشجيع الشباب على تأسيس الشركات بدلًا من انتظار الوظيفة الحكومية. ففي وادي السيليكون، على سبيل المثال، لا يُنظر إلى فشل الشركة الأولى على أنه نهاية المسيرة، بل بوصفه خبرة تزيد من فرص النجاح في المحاولة التالية. أما في كثير من المجتمعات النامية، فما يزال الفشل التجاري يحمل وصمة اجتماعية تجعل كثيرًا من الشباب يحجمون عن خوض تجربة ريادة الأعمال أصلًا. ومن هنا، فإن بناء جامعة ريادية لا يعني فقط إنشاء حاضنة أعمال أو تنظيم مسابقة سنوية للابتكار، بل يعني تغيير الثقافة المؤسسية والمجتمعية معًا. فالطالب ينبغي أن يتخرج وهو يدرك أن أمامه ثلاثة مسارات متكافئة في القيمة: أن يصبح موظفًا، أو باحثًا، أو مؤسس شركة. وعندما يصبح تأسيس شركة ناشئة خيارًا طبيعيًا مثل التوظيف، تكون الجامعة قد بدأت تؤدي رسالتها الجديدة.
لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو ضرورة قياس الأثر. فالمؤسسات التي لا تقيس نتائجها بدقة يصعب عليها تحسين أدائها. ولهذا سيكون من المفيد أن تصدر الجامعات العُمانية، بصورة سنوية، تقارير تتضمن مؤشرات واضحة مثل عدد براءات الاختراع الممنوحة، وعدد البراءات التي جرى ترخيصها، وعدد الشركات المنبثقة عن الجامعة، وحجم الاستثمارات التي حصلت عليها، وعدد الوظائف التي وفرتها، والإيرادات الناتجة عن نقل التكنولوجيا. فهذه المؤشرات لا تخدم صناع القرار فقط، بل تخلق أيضًا منافسة إيجابية بين الجامعات، وتشجعها على تطوير منظومات الابتكار لديها.
وربما تكون هذه هي اللحظة المناسبة لتوجيه سؤال مختلف تمامًا عن السؤال الذي بدأنا به وهو هل تستطيع السلطنة، خلال العقد القادم، أن تبني المنظومة التي تجعل هذه الأفكار تتحول إلى شركات عالمية تحمل اسم عُمان؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تُحسم داخل قاعات المحاضرات وحدها، ولن تُحسم في اجتماعات الوزارات وحدها، ولن تُحسم في مجالس إدارات الشركات وحدها، بل ستُحسم عندما تصبح هذه الأطراف جميعًا جزءًا من مشروع وطني واحد، ينظر إلى الجامعة ليس باعتبارها مؤسسة تمنح المؤهلات الأكاديمية، وإنما باعتبارها مصنعًا للأفكار، ومختبرًا للتقنيات، وحاضنةً للشركات، وأحد أهم محركات النمو الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين. ولعل أهم ما تكشفه التجارب العالمية هو أن التحول من “جامعة تُخرِّج موظفين” إلى “جامعة تُنتج شركات” لا يحدث بقرار إداري، ولا خلال دورة استراتيجية واحدة، وإنما هو مشروع يمتد لعقدين أو ثلاثة عقود، يحتاج إلى استثمار طويل النفس، وتشريعات مرنة، وتمويل ذكي، وشراكات حقيقية، والأهم من ذلك كله، إلى قناعة راسخة بأن الثروة الأكثر قيمة في أي دولة لم تعد النفط أو المعادن أو الأراضي، بل الإنسان القادر على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى اقتصاد.
وعند هذه النقطة يمكن العودة إلى الخبر الذي بدأ منه هذا المقال. فالمشاريع الطلابية التي احتفت به الاعلام ليست في حد ذاتها دليلًا على أننا وصلنا إلى مرحلة الجامعة الريادية، كما أنها ليست مجرد إنجازات عابرة تُنسى بانتهاء معرض الابتكار. إنها، في الحقيقة، إشارة إلى أن بذور التحول قد زُرعت بالفعل. لكن البذور، مهما كانت جيدة، لا تصبح غابة إلا إذا وجدت التربة الخصبة، والماء، والرعاية، والزمن. وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الجامعات العُمانية خلال السنوات القادمة: ليس إنتاج مزيد من الأفكار، بل بناء المنظومة التي تمنح هذه الأفكار فرصة عادلة لتصبح شركات، وصناعات، وفرص عمل، وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني. فإذا نجحت السلطنة في تحقيق ذلك، فلن يكون السؤال بعد سنوات: كم طالبًا تخرج هذا العام؟، بل: كم شركة وُلدت من جامعاتنا، وكم صناعة جديدة أضافتها إلى اقتصاد عُمان؟ وعندها فقط يمكن القول إن الجامعات العُمانية لم تعد مصانع للشهادات، بل أصبحت بالفعل مصانع للمستقبل.




















اترك تعليقاً