التعليم الصديق للطفل .. يحول المدارس إلى بيئة تعليمية محفزة للإبداع

عُمان: حوار – خالد بن محمد البلوشي 

تحولت مبادرة التعليم الصديق للطفل التي تبنتها سلطنة عمان بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، من تجربة محدودة في عدد من المدارس إلى مبادرة وطنية شاملة تسعى إلى بناء بيئة تعليمية محفزة للإبداع وأكثر أمانًا وشمولًا ومشاركة.

أوضح الدكتور بلال الكسواني، مدير البرامج بمكتب “اليونيسف” في سلطنة عمان، أن التعليم الصديق للطفل يمثل منهجية عمل متكاملة داخل المدرسة تقوم على مجموعة من المحاور الأساسية، تشمل المشاركة والحماية والشمول وتعزيز رفاه الطفل. وتعمل هذه المنهجية على إيجاد شراكة حقيقية بين المدرسة والطلبة وأولياء الأمور والمجتمع المحلي من أجل تحديد الاحتياجات التعليمية والتربوية وتحويلها إلى خطط وأنشطة عملية قابلة للتنفيذ.

وأشار إلى أن المبادرة تمنح المدارس مساحة من المرونة لتحديد أولوياتها حسب احتياجاتها الخاصة، إذ يتم فتح حوار مشترك بين مختلف الأطراف المعنية لتشخيص التحديات ووضع الحلول المناسبة لها، سواء كانت مرتبطة بدمج الطلبة ذوي الإعاقة، أو تحسين البيئة المدرسية، أو تعزيز المشاركة الطلابية، أو توفير بيئة تعليمية أكثر أمانًا وتحفيزًا.

مشروع وطني

وبين الكسواني أن المبادرة انطلقت عام 2012 كتجربة أولية في تسع مدارس بالشراكة بين وزارة التعليم ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وحققت نتائج إيجابية شجعت على التوسع التدريجي في تطبيقها لتكون اليوم مبادرة وطنية تشمل مختلف مدارس سلطنة عمان .

وأضاف أن مرور أكثر من عقد على تنفيذ المبادرة كانت فرصة لإجراء تقييم وطني شامل لقياس أثرها الفعلي، واستكشاف مكامن القوة والتحديات، ورسم ملامح المرحلة القادمة من تطويرها بما يتناسب مع المتغيرات المتسارعة التي يشهدها قطاع التعليم عالميًا.

منهجية علمية

وأشار بأن التقييم اعتمد على منهجية علمية عالمية متخصصة في دراسات التقييم، ركزت على ستة محاور رئيسية، هي: الفاعلية والاستدامة والأثر والكفاءة والمواءمة مع السياق المحلي، بهدف تكوين صورة متكاملة حول أداء المبادرة خلال السنوات الماضية.

وأوضح أن الدراسة لم تقتصر على قياس التحصيل الأكاديمي أو النتائج الدراسية للطلبة، لكنها ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك من خلال تقييم التجربة التعليمية بأبعادها المختلفة، بما يشمل مستوى مشاركة الأطفال في العملية التعليمية، ومدى انعكاس آرائهم وتطلعاتهم في التخطيط والتنفيذ، ومستوى شعورهم بالأمان والانتماء داخل المدرسة، إضافة إلى دراسة جودة البيئة التعليمية وتحفيزها للطلبة على التعلم والمشاركة.

الأطفال في قلب التقييم

ولأن المبادرة صممت أساسًا لخدمة الطفل وتمكينه، فقد كان الأطفال أنفسهم في صلب عملية التقييم، فقد أوضح الكسواني أن فريق الدراسة حرص على الاستماع المباشر إلى الطلبة من خلال مجموعات نقاش وجلسات حوارية وزيارات ميدانية للمدارس، شملت أربع محافظات تمثل التنوع الجغرافي والاجتماعي في سلطنة عمان، وهي: مسندم ومسقط وشمال الباطنة وظفار.

وأشار إلى أن الدراسة استمعت كذلك إلى المعلمين وأولياء الأمور والمجتمع المحلي، باعتبارهم شركاء رئيسيين في تنفيذ المبادرة، بهدف تكوين صورة شاملة ومتوازنة عن واقع التجربة وتأثيرها الفعلي على البيئة التعليمية.

وأضاف أن فرق التقييم دخلت إلى الغرف الصفية وراقبت الممارسات التعليمية بصورة مباشرة، كما استمعت إلى ملاحظات الطلبة حول أساليب التعليم ومدى شعورهم بالمشاركة والانتماء داخل مدارسهم.

نتائج إيجابية

وأظهرت نتائج التقييم، بحسب الكسواني، صورة إيجابية للغاية عن المبادرة بعد سنوات طويلة من تطبيقها، إذ نجحت في تعزيز الشراكة بين المدرسة وأولياء الأمور والمجتمع المحلي، وأسهمت في إيجاد قنوات حوار وتعاون مستمرة بين مختلف الأطراف المعنية بالعملية التعليمية.

وأوضح أن المدارس تمكنت من تطوير أفكار ومبادرات إبداعية لتحسين البيئة المدرسية وتعزيز عوامل الأمان والشمول والمشاركة، كما ساعدت المبادرة في رفع مستوى جاذبية التعليم وتحفيز الطلبة على الانخراط بصورة أكبر في الأنشطة التعليمية والتربوية.

وأشار إلى أن التقييم أظهر توافقًا واضحًا بين المبادرة والأولويات الوطنية، وفي مقدمتها رؤية “عُمان 2040” وقانون التعليم، الأمر الذي يعزز من أهمية استمرارها وتطويرها خلال السنوات المقبلة.

ومن بين النتائج التي وصفها الكسواني بالمفاجأة الإيجابية، حجم التفاعل والملكية التي أبدتها المدارس والمجتمع المحلي اتجاه المبادرة.

موضحاً أن المبادرة وفرت إطار ومنهجية واضحة للعمل، إلا أن المدارس وأولياء الأمور والمجتمع المحلي ذهبوا إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ تبنوا المبادرة بوصفها مشروعًا خاصًا بهم، وعملوا على تطويرها وتفعيلها بصورة فاقت التوقعات.

وأشار إلى أن العديد من المدارس تمكنت من بناء شراكات فاعلة مع المجتمع المحلي واستقطاب الدعم اللازم لتنفيذ مبادراتها، كما أظهرت مستويات عالية من الالتزام والرغبة في تطوير البيئة التعليمية وتحسين مخرجاتها.

وأكد أن هذا الشعور بالملكية كان أحد أبرز عوامل نجاح المبادرة واستمرارها طوال السنوات الماضية.

ماذا قال الأطفال؟

ولفت الكسواني إلى أن شهادات الأطفال وأولياء الأمور والمعلمين شكلوا جزءًا مهمًا من نتائج التقييم، إذ أشار كثير من الطلبة إلى تحسن شعورهم بالانتماء لمدارسهم ومجتمعاتهم، نتيجة مشاركتهم في الأنشطة والمبادرات واتخاذ القرار داخل البيئة المدرسية.

كما أظهرت الشهادات وجود زيادة في رغبة الأطفال بالتعلم والانتظام المدرسي والمشاركة في الأنشطة المختلفة، إلى جانب شعور أكبر بالثقة والمسؤولية نتيجة التعامل معهم كشركاء في العملية التعليمية.

وأضاف أن العديد من الأطفال طالبوا باستمرار هذه الروح التشاركية وتعزيزها خلال المرحلة المقبلة، بما يمنحهم دورًا أكبر في تصميم المبادرات والأنشطة التي تستهدفهم.

التحديات

ورغم النتائج الإيجابية، أوضح الكسواني أن الدراسة رصدت مجموعة من التحديات التي تتطلب اهتمامًا خلال المرحلة المقبلة.

ومن أبرز هذه التحديات الحاجة إلى استدامة تدريب الكوادر التعليمية وتعزيز قدراتها في تطبيق منهجية التعليم الصديق للطفل، إضافة إلى مواصلة توعية أولياء الأمور والمجتمع المحلي بأدوارهم في دعم المبادرة.

كما أظهرت الدراسة أهمية تعزيز استدامة الشراكات المجتمعية وتوفير الموارد اللازمة للمبادرات التي تنفذها المدارس، خاصة أن الكثير من الأنشطة التطويرية اعتمدت على مبادرات ودعم المجتمع المحلي.

وأشار كذلك إلى وجود حاجة لتطوير منظومة البيانات والمؤشرات المرتبطة بالمبادرة لتساعد القائمين على قياس أثرها بصورة أكثر دقة في المستقبل.

المدارس الشاملة

وأكد الكسواني أن جانب الشمول يمثل أحد أهم مرتكزات المبادرة، إذ ركزت الدراسة على كيفية تعزيز دمج الطلبة ذوي الإعاقة وغيرهم من الفئات التي تحتاج إلى تيسيرات إضافية داخل البيئة التعليمية.

وأوضح أن التوصيات ركزت على تطوير البيئة المدرسية والخدمات المساندة بما يضمن حصول جميع الأطفال على فرص متكافئة في التعليم والمشاركة بغض النظر عن ظروفهم أو احتياجاتهم.

بيئة آمنة

وأشار إلى أن محور الحماية احتل مساحة كبيرة من التقييم، إذ تم التركيز على ضمان بيئات مدرسية آمنة وخالية من العنف والتنمر، ودعم الجهود الحالية الرامية إلى الحد من هذه الظواهر وتعزيز الصحة النفسية والرفاه الاجتماعي للطلبة.

وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استمرار التعاون بين المدرسة والأسرة والمجتمع المحلي، لأن معالجة قضايا مثل التنمر لا يمكن أن تنجح من خلال جهة واحدة فقط، وإنما تحتاج إلى تكامل الرسائل والجهود بين جميع الأطراف.

جيل جديد

وأكد الكسواني أن التقييم لم يقتصر على مراجعة الماضي، بل ركز بصورة كبيرة على استشراف المستقبل، مشيرًا إلى أن النسخة القادمة من المبادرة ستأخذ بعين الاعتبار التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وأوضح أن موضوعات مثل الذكاء الاصطناعي ومهارات المستقبل والعمل المناخي ستكون من بين المحاور التي سيتم التركيز عليها خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن إعداد الطلبة لعالم مختلف ومتغير بصورة متسارعة.

وأضاف أن الهدف لا يتمثل فقط في تعريف الطلبة بهذه القضايا، وإنما في تمكينهم من المشاركة في تصميم المبادرات المرتبطة بها وتقديم أفكارهم ومشروعاتهم للمجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الإضافات