حين كانت المدرسة تصنع الإنسان

آمنة الربيع – عُمان

إلى راحيل…
المدرسة هي الأساس، والمعلم هو الركن المركزي في فلسفة التعليم. لم أكن أفكر يومًا في دراسة البكالوريوس خارج عُمان، لكن تلك الفكرة لم تولد في المطار، بل وُلدت داخل الصف.
لهذا، حين وقعتُ مصادفة على المسلسل الكوري (سنلقنكم درسًا)، لم أشاهده بوصفه عملًا دراميًا فحسب، بل بوصفه بوابةً إلى ذاكرة بعيدة. يروي العمل حكايات عن بعض المدارس الكورية التي تعاني اضطرابًا مزدوجًا، يتجسّد في طرفي المعادلة الكبيرة؛ المعلم والطلبة.
شدّني العمل كثيرًا لعدة أسباب متداخلة من بينها أنه أعادني إلى أيام طفولتي والدراسة في مدرسة الرباط في صلالة (السلطان قابوس حاليا)، حيث درستُ فيها من المرحلة الابتدائية حتى الصف الثامن، (كانت التسمية المستخدمة آنذاك هي الأول والثاني والثالث الإعدادي). ولم يقف الأمر عند ذلك، بل ذكرني المسلسل بخليط من المعلمين العرب الذين قدموا من الأردن، ومصر، والسودان، والهيبة التي كانوا يتمتعون بها.
على الرغم من أن التدريس في المدرسة كان ينقسم إلى فترتين الأولى صباحية للبنات والثانية مسائية للبنين، إلا أننا كنا نلتقي ونختلط معًا في احتفالات المدرسة بالأعياد الوطنية والمناسبات الدينية، فكان الحرص على التعلّم هو الهدف انطلاقا من التربية الأسرية والثقافة الدينية.
لم تكن المدرسة قد عَرفت أجهزة الحاسوب، ولا التعليم عن بُعد، أو ما يُعرف بالكتب الرقمية والأجهزة اللوحية. كنت أفرح بحقيبة المدرسة المصنوعة من الجلد، وما تحتويه من أقلام، وأدوات، وكتب، ودفاتر، وعلبتَي ألوان؛ إحداهما خشبية والأخرى مائية. ودفتر للرسم، كنتُ أرسم في صفحاته قرص الشمس. وكانت مناداةُ المعلمة للطالبة للوقوف أمام السبورة المتحركة لتحل مسألة في الرياضيات، أو تكمل شطرًا من قصيدة أحمد شوقي الخالدة «قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا … كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا»، وبعد انتهاء المعلمة من الحفظ والتسميع، يبدأ طرح الأسئلة عن مناسبة القصيدة، ومكانة التعليم في الارتقاء بالمجتمعات والدول. ولم يقف الأمر عند ذلك، بل كانت حصة التربية الاجتماعية والتاريخ من الحصص التي فتحت الآفاق للبحث عن الرغبة في اكتشاف العالم، فكانت الحصة تنقلبُ إلى خلية من النحل، كل طالبة تحدوها الرغبة في السفر إلى بلاد لم تطؤها قدمٌ من قبل.
انهالت الذكريات البعيدة وأنا أشاهد في حلقة من المسلسل، مدى الإهانة التي تعرّضت لها مُعلمة الأطفال في المدرسة، لدرجة أن أحد أولياء الأمور تنمّرت على المعلمة وراقبت هاتفها حتى شكتها إلى إدارة التعليم للتحقيق معها! لا يقل عن هذا السلوك غرابة أو فظاعة، مواقف بعض الطلبة (تلاميذ الصفوف الدنيا والمتوسطة والعليا) الذين كشف المسلسل عن أجواء من التنمر والعنف والاستهلاك العشوائي وسوء استخدام التقنية والانضمام إلى عصابات صغيرة للاحتيال، تُحركها عصابات أكبر منها في المجتمع ولا يقف الأمر عند تلك المشاهد، فأولياء الأمور أيضا يعانون من تفشي المظاهر المادية والاستهلاكية في الدولة، فاهتمامهم بدل أن ينصب على غرس القيم النبيلة والأخوة واحترام المعلم، نراهم يضغطون على أبنائهم ضغطا جسديًا ومعنويا قد يدفع أبناءهم إلى التفكير في الانتحار! تمثل ذلك في حلقة الأم التي أرادت أن يلتحق ابنها الوحيد بكلية الطب في جامعة سيول العريقة، فأخذت تلقمه حبوبًا مخدرة محظورة لدى الجهات الرسمية والدوائية، وكان كل هدف الأم أن تثبت لنفسها أمام أهل زوجها مظهرًا من مظاهر التفوق والعلو في المجتمع، ليحظى ابنها بالاحترام من العائلة! وغيرها من المواقف السلبية التي أفقدت المُعلم قيمته.
متى فقد المعلم هيبته؟ ومتى أصبحت المدرسة عاجزة عن حماية رسالتها؟ في الحلقات العشر حاول السيناريو بناء حكايات لعائلات متنفذة، وقصص لأسر فقيرة، لا تملك من الحياة إلا كرامتها، وإنسانيتها، وأحلامها في تعليم أبنائها ليكونوا قدوة كمعلميهم بُناة للغد القادم.
في كل حلقة أشاهدها كنت أشعر بمتعة وخوف معا، كنتُ أعود إلى طفولتي ومراحل تعليمي من الابتدائية إلى الثانوية العامة، كنتُ أطرح هذا السؤال حول الحلقات: ماذا لو لم يعد المعلم بحاجة إلى مكتب يحميه؟
أما عن أسباب المتعة، فلأن المدرسة لم تكن بالنسبة إلى جيلي، جدرانًا وفصولًا وامتحانات، بل كانت نافذة تفتح أذهاننا على العالم… عالم كبير وبعيد على طالبة مثلي لم ترَ أبعد من أشجار النخيل الباسقات وقصر الحصن، وبيوت متلاصقة جدرانها، وأسطح يَسهل للجميع الصعود عليها للفرجة على مناسبات الشارع العام المختلفة، ومعلمات قدمن إلى المدرسة، يَحملن في حقائبهن رسائل كبيرة، كنَّ يتحدثن عن الجامعات، وعن القراءة، وعن السفر. في أصواتهن لهجات متعددة تتسلل إلى الحصة فجأة بتلقائية للتشجيع تارة أو للتوبيخ، أو العقاب. وفي عيونهن إيمان بأنّ التعليم قَدرُ من يَختاره ويسعى إليه، ليصنع الإنسان الذي يريد أن يكونه.
أما عن الخوف، فتحولات العالم خطيرة، والكل ليس بمنأى عما يَحدث من خلل أو تراجع أو أخطاء في منظومة التعليم، وما يجلبه نظام التفاهة من مخاطر في أي بقعة في العالم.
في سياق أهمية التعليم للجميع طوعًا أو كرهًا، أعود إلى كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) للأديب طه حسين، عندما ربط أهمية التعليم الإلزامي بالديمقراطية، يكتب: «… لست في حاجة إلى الإطالة في إثبات أن التعليم الأوليّ الإلزاميّ ركن أساسيّ من أركان الحياة الديمقراطيّة الصحيحة، بل هو ركن أساسيّ من أركان الحياة الاجتماعيّة». ثم ينتقل إلى تعديد نقاط أو خصائص الدولة الديمقراطية، فيرى أنها ملزمة بنشر التعليم الأوليّ وتقوم عليه لأغراض هي: أن التعليم الأوليّ أيسر وسيلة يجب أن تكون في يد الفرد ليستطيع أن يعيش، وأن يكون في يد الدولة نفسها لتكوين الوحدة الوطنية، وإشعار الأمة بحقها في الوجود المستقل الحر، وواجبها الدفاع عن هذا الوجود، ولتمكّن الأمة من البقاء والاستمرار، لأنها بهذا التعليم الأوليّ تضمن وحدة التراث الوطنّي اليسير الذي ينبغي أن تنقله الأجيال إلى الأجيال، وأن يشترك في تلقيه ونقله الأفراد جميعا في كل جيل».
اليوم، كلما دخلت مدرسة، وكلما راقبتُ جيلًا جديدًا داخل أسرتي أشعر أن شيئًا ما قد تغير، فكلما استمعت إلى إجابات راحيل عن الطموح والأمنيات والرسالة، ينتابني تجاهها القلق والخوف. تُنجز راحيل وظائفها المدرسية بمتابعة حثيثة من عمتها، لكن الهاتف والجهاز اللوحي والتخفيف من الحقيبة التقليدية الثقيلة، لم يقللا من ذلك الشعور البائس الثقيل. أفرز التعليم الحديث، رغم إيجابياته، الكثير من السلبيات التي أخذت تتفاقم بين الأجيال، كالسطحية في التفكير، وضعف التركيز أمام الشاشات، وفقدان الشغف، وغياب التفاعل الاجتماعي، وتغليب النظرة المادية النفعية الفردية، وظهور الأخطار الصحية والجسدية والاضطرابات النفسية.
في ظل هذه المتغيرات في العالم، أتساءل: هل ما زالت المدرسة قادرة على أن تغرس في طالب واحد حلمًا يرافقه بقية حياته؟ هل ما زال المعلم يملك الوقت والمساحة ليبني شخصية، لا ليؤدي وظيفة؟ أم أن الحل يكون في الفكرة التي يطرحها المسلسل الكوري؟
ربما لا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء، ولا ينبغي لنا ذلك. لكننا نستطيع أن نستعيد سؤالًا بسيطًا: هل نريد بناء الإنسان والمجتمعات والدول؟كلما عدتُ إلى وجوه معلماتي، أدركتُ أن أعظم ما منحْنَني إياه لم يكن معلومةً، بل الشجاعة لأن أحلم، وأن أصدق أن العِلم يستطيع أن يغير حياة إنسان.
آمنة الربيع باحثة أكاديمية متخصصة فـي شؤون المسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الإضافات