
(1 – 7)
إن الحديث عن صناعة الأجيال حديث ذو شجون فهو يمثل رؤية ثاقبة عن مستقبل الأمم وتطورها وازددها، وعن القوة الناعمة التي تحمي الهوية وتصنع الحضارة وتطوي صفحات الظلام إلى نور التطور والسباق نحو الفوز والنجاح. ولما كانت التربية هي المحرك الأول لهذه الصناعة.
وقد أضحت كليات التربية هي المعامل التي تخرج منها الأدوات البشرية الناضجة القادرة على حمل هذه الأمانة التي عجزت عن حملها الجبال. غير أن الناظر في واقع بعض تلك الكليات في عالمنا العربي يفضي بنا إلى مشهد مركب من التناقضات والحيرة، حيث تتصارع النظريات الأكاديمية مع متطلبات الميدان، وحاجات الواقع العلمي، وتتسع الهوة بين ما يدرسه الطالب في قاعات المحاضرات من كلام نظري معزول عن الواقع، بين وما يمارسه في فصول المدارس وتداعيات المواقف التربوي.
في زمن تتدافع فيه الأفكار وتتصارع الرؤى، وتتسارع المتغيرات والتقنيات الحديثة حتى تكاد تلهث الأنفاس قبل أن تستوعب حاضراً يغدو ماضياً في غمضة عين، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على كل ذي عقل راجح وفكر ثاقب: كيف نصنع الأجيال في عالم يموج بالتحولات الحثيثة والتطورات المتسارعة؟ يقول البلام: «متى آمنا بأن التعليم احتضان التنوع وتقبل الآراء المتضاربة، وتسامح مع المعارضة واعتراف بأن الحقائق ليست كلها مطلقة، وأنه ثورة العقل على الماضي ليحاكم به الحاضر منتجاً المستقبل، استطعنا من خلال ذلك أن نبني عقولاً ونفوساً تصارع الجبال وتؤسس الأوطان». هذا الكلام البليغ يختصر فلسفة التربية الحقيقية: ليست التربية حشواً للأذهان، بل هي فتح للعقول على احتمالات المعرفة، وتربية للنفوس على التسامح مع الاختلاف، وإعداد للأجيال لمواجهة المجهول بقلوب لا تعرف الخوف وعقول لا تعرف الجمود. تقول ساندرة لوني: “نحن نبني بيوتا لنسكن بها أما الجامعات فهي بيوت للأفكار. نحن نبني جامعات لكي تسكن بها الأفكار”، فكيف يتم ترجمة تلك الرسالة في واقعنا إلى سلوك عملي؟!
في حين تظل التربية ذلك الثابت الوحيد والنبع الصافي الزلال الذي لا محيد عنه في بناء الأمم، ذلك النبع الذي لا ينضب، والدر الذي لا يجف، والبذرة الصالحة اليانعة التي إن أحسنا غرسها آتت أكلها يانعة باسقة قروناً مديدة، وسنوات عديدة، وأيام متوالية، وإن أهملناها صارت حطباً يتقد يلهب ظهورنا وأفئدتنا قبل أن نستشعر اللهيب. وفي صلب هذه العملية الجليلة يقف المعلم شامخاً رافع الرأس، ذاك الصانع الحقيقي للأجيال، والمهندس الخبير الذي يشكل العقول قبل أن تشكلها الحياة بكل متغيراتها، وعواصفها وغنائمها. غير أن الناظر في واقع بعض كليات التربية في عالمنا العربي اليوم يدرك أن ثمّة خللاً عميقاً يضرب في جذورها. وينخر في كيانها، فكليات التربية التي كان من المفترض بها أن تكون في قمة الهرم التعليمي، والتطور الميداني، وأن تعمل على انتقاء ألمع الطلاب وأزكاهم نفساً، وخلقا، وقدرة على حمل الرسالة، فقد أضحت في الواقع ملاذاً أخيراً لمن أغلقت في وجوههم أبواب الكليات الأخرى. وضاقت به الأرض بما رحبت، فقد صارت وكأنها مهوى واستراحة المحاربين المنهكين التائهين العابرين من الذين سقطوا في معركة المجاميع، أو محطة أخيرة يلتقط فيها الراكبون أنفاسهم الأخيرة قبل أن يهبطوا إلى سوق العمل بما تيسر لهم من حطام المعرفة.
وهكذا تقف هذه الصروح العلمية بين مطرقة الضعف الداخلي الذي ينخر في عظامها، ويفتك بهيكلها العظمي، وسندان التوقعات المجتمعية المرتفعة التي تنتظر منها المعجزات. فالطلاب الذين يلتحقون بها هم نتاج تعليم أساسي يعاني أمراضاً مزمنة وأفات مهلكه: فضعف في المهارات الأساسية، وفقر في المعرفة العامة، واعتياد على التلقين الذي لا يشعل فتيل الفكر ويحرك كوامن العقل ويوقد لواعج المواهب الفتية. وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن أربعين بالمئة من طلاب المرحلة الثانوية في العالم العربي لا يجتازون اختبارات المهارات الأساسية (الألكسو، 2024). وهكذا تدخل بعض كليات التربية مدخلات واهنة، وتصبح المهمة تكاد تكون مستحيلة: كيف لمن لم يتقن أدوات التعلم أن يتعلم كيف يعلّم؟ وكما قال ابن خلدون في مقدمته: “الملك والدين توأمان، فإذا انفصلا تهدمت الدول” (ابن خلدون، 1377/2023، ص 112)، فإننا من وحي كلامه نقول: النظرية والتطبيق توأمان، فإذا انفصلا تهدمت التربية وتعطلت الأجيال.
ثم يفاجأ هؤولا الطلاب بمناهج لا تختلف عما تعرضوا له سابقاً عبر سنوات عجاف في مقاعد الدراسة: زخم نظري وسرد مطبق لا يكاد يمس واقع التعليم وحي الحياة. يقضي الطالب خلاله سنوات سمان يملأ رأسه بنظريات بورهوس فريدريك سكينر وجون واطسون وإيفان بافلوف وليف فيجوتسكي وجان بياجيه وأبراهام ما سلو وكارل روجرز وجورج سيمنز و ستيفن داونز يحفظها عن ظهر قلب في لفيف من التوتر والاضطراب. ثم يلقها في غياهب النسيان بعد الامتحان، في يم عميق سحيق، والتي لا تكاد تجد بينها صلة بين ما يدرسه في قاعات المحاضرات وبين ما سيواجه من تحديات يومية في الفصول الدراسة وفي معترك الحياة العملية. ومن الطريف المبكي والمحزن أن طرق التدريس المتبعة في أروقة بعض هذه الكليات تتناقض مع ما تدرسه للطلاب، فيخلق هذا التناقض ازدواجية في شخصية الطالب المعلم. ويزداد الطين بلة أن عدد ساعات التدريب الميداني لا يكاد يُذكر في بعض الكليات، والإشراف عليه شكلي بدون ثمة تغذية راجعة تقدم للطالب المعلم. وهكذا دواليك يخرج الطالب وقد حفظ نظريات عديدة وملاء رأسه بمعارف كثيرة، لكنه إذا واجه واقع الفصل تاه في متاهاته متشعبه وأخدود من التعليمات والأنظمة المعقدة في حقول التعليم. ومن وحي ذلك تؤكد الدراسات المقارنة أن أفضل برامج إعداد المعلمين في العالم هي التي تدمج التدريب الميداني المكثف مع الإعداد النظري (OECD, 2024).
ثم تأتي بعد ذلك الإدارة البيروقراطية لتكمل الصورة القاتمة، والصفحة الباهتة، بجمودها المرعب وروتينها الممل الذي يحول دون أي تطوير أو تقدم ملموس. لوائح صارمة لا تواكب العصر وتسارعه، وموارد تهدر في أنشطة هامشية لا تسمن ولا تغني من جوع. وهكذا تتخرج الأجيال حاملة شهادات لا تعكس كفاياتها. فالشهادة – كما يقول نجيب محفوظ – ورقة تثبت أنك تعلمت، لكنها لا تثبت أنك تفهم. ويبقى السؤال معلقاً: إلى متى ستظل كليات التربية أسيرة هذه التناقضات المتباينة في وهج من الضعف والألم؟
وخلاصة القول في هذا المقام، أن أزمة كليات التربية ليست طارئة ولا سطحية، بل هي أزمة بنيوية تمتد جذورها إلى سياسات القبول، ومخرجات التعليم قبل الجامعي، وتصميم المناهج، ونمط الإدارة، وضعف الارتباط بالميدان. وكما أن البناء الراسخ لا يقوم على أسس واهية، فإن التربية لا تصلح بمدخلات معيبة واهية. وإن مما يؤسف له ويندي له الجبين أن يحال بين طالب التربية وبين الميدان بسور نظري لا ينفذ، وأن يُحرم من تجربة الحياة الصفية التي هي المختبر الحقيقي لاكتساب الكفايات والخبرات. وتشير الأدبيات التربوية الحديثة إلى أن قيمة المعرفة لا تكمن في حفظها فحسب، بل في القدرة على توظيفها في سياقات عملية ذات معنى، وهو ما تؤكده اتجاهات التعلم العميق والتعلم القائم على الكفاءة، حيث يُعد تطبيق المعرفة مؤشرًا رئيسًا على تحقق التعلم الحقيقي (John Hattie, 2012؛ National Research Council, 2012؛ Grant Wiggins & Jay McTighe, 2005).، ولعل ذلك يتفق مع قول الجاحظ: “العلم ليس بما حفظ بل بما استعمل” ما يشير إلى أن المعرفة لا تصبح نافعة حتى تمتحن في رحاب الواقع. فإذا كانت كليات التربية قد فقدت صلاتها بالميدان، فإنها تفقد معها معنى وجودها في المواقف التعليمية والحقول التربوية الحصينة.
(2 – 7)
بعد أن وقفنا بالبحث والتحليل على واقع الطالب المعلم، معلم المستقبل والمؤمل منه تطوير منظومة التعليم وتخليصه من آفات العصر وتداعياتها، فلكل عصر أدواته ووسائله، وهمومه ومشاكله، حينها قد تبين لنا أن بعض كليات التربية تستقبل مدخلات قد تكون واهنة وتخرجها بمناهج نظرية وتدريب عملي هزيل لا يمس حاجة الحقل التربوي ولا يغطي متطلبات المواقف التعليمية، ينتقل بنا البحث إلى مستوى آخر أكثر إيلامًا وأشد تعقيدًا وأبلغ عمقًا: ألا وهو مستوى بعض أعضاء هيئة التدريس في تلك الكليات.
وهيئة التدريس تُعد القلب النابض والمحرك اللامع لأي مؤسسة تعليمية، والمرجع الذي يُفترض فيه أن يكون قدوة علمية وأخلاقية وتربوية؛ حيث إن عضو هيئة التدريس قائد التطوير في مسرح الحقل التربوي، والذي من المؤمل فيه أن يكون جامعًا بين النظرية والتطبيق بفكره الرائد وسلوكه المتقد. غير أن الممارسة تكشف لنا عن مفارقة عظمى: فبعض ممن يتولون إعداد المعلمين كثيرًا ما يكونون أبعد الناس عن الميدان الحقيقي، وأجهل الناس بواقع الفصول الدراسية ومشاكلها وتداعياتها.
ومن أغرب المفارقات أن يتولى تكوين المعلمين أفئدة لم تذق غبار المدرسة، وأفهام لم تعان صخب الفصول، وأقلام لم ترَ واقع التعليم الحقيقي في أروقته الميدانية، فالدكتور الجامعي قد يقضي عقودًا في تحصيل الشهادات دون أن يخوض غمار التدريس في المدارس ولو يومًا واحدًا، يظل أسير نظرياته في أبراجه العاجية، يضع حلولًا لمشكلات لم يعشها، ويخرج معلمين لم يجالسهم في فصولهم ولم يعش معاناتهم. وقد أشار فيجوتسكي إلى أهمية “منطقة النمو القريبة” التي يتعلم فيها المتعلم من خلال تفاعله مع من هم أكثر خبرة (Vygotsky, 2021, p. 86)، فكيف لمن ليس له خبرة ميدانية أن ينقلها لطلابه؟ “فاقد الشيء لا يعطيه”. هنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يُعهد بتكوين المعلمين إلى بعض ممن لم يمارس التعليم في الميدان العملي، فيخرج جيل يحفظ النظريات، لكنه إذا واجه واقع الفصل ومواقف التعليم تاه. فكيف لمن لم يعان مشقة ضبط الصف أن يعلّم غيره فنون الضبط وأساليبه؟ وكيف لمن لم يُصغِ لهموم طالب متعثر أن يوجّه معلمًا إلى كيفية مساعدة المتعثرين ذوي صعوبات التعلم؟ وفي هذا يقول الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: “من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه” (الغزالي، ص 156). وهذا ما تشير إليه بعض الأدبيات التربوية إلى أن التدرّج في اكتساب الخبرة شرطٌ أساسي لتحقيق الكفاءة، وأن التسرّع في تحمّل الأدوار قبل اكتمال المهارات قد يؤدي إلى ضعف الأداء وسوء التقدير، وهو ما تؤكده نماذج اكتساب الخبرة والتطور المهني، إضافة إلى دراسات التحيز المعرفي المرتبطة بتقدير الذات (Patricia Benner, 1984؛ David Dunning & Justin Kruger, 1999).
ثم إن بعض هؤلاء الأساتذة، حتى ممن قضى سنوات في المدارس، سرعان ما يبتعدون عن الميدان، وتمر السنون وهم منقطعون عن مدارس التعليم العام وقوانينها ولوائحها، لا يزورونها، ولا يتابعون مستجداتها، ولا يعرفون عن هموم معلميها شيئًا. وفي أثناء ذلك تتغير المناهج، وتتطور طرق التدريس، وتتبدل خصائص الطلاب ومستوياتهم، وهم في مكانهم جامدون، يدرسون نفس الموضوعات لسنوات عديدة بنفس الطرق التي تعلموها منذ عقود ماضية. وفي ذلك فقد حذّر المفكر التربوي دونالد شون من مخاطر “الممارس الأكاديمي” الذي ينفصل عن الواقع، ودعا إلى نموذج “الممارس المتأمل” الذي يربط بين النظرية والتطبيق في حوار دائم مع الواقع (Schön, 2023, p. 49). وقد أظهرت دراسة أن الانخراط الفعّال لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية ضمن شراكات مستمرة مع المدارس يسهم في تحسين جودة إعداد المعلمين، حيث توفر هذه الشراكات بيئات تدريب عملي أصيلة تعزز الكفاءة المهنية والتطبيقية للمعلمين تحت الإعداد (International Journal of Educational Research, 2026; Hadar et al., 2025).
ويزداد الوضع سوءًا مع عزوف بعض المتميزين من حملة شهادات الدكتوراه عن العمل في بعض كليات التربية، بسبب تدني الحوافز المادية وكثرة الأعباء الروتينية المملة. فإذا كانت كليات الطب تتنافس على أفضل الأطباء، وكليات الهندسة تغري بالمتميزين من المهندسين، فإن بعض كليات التربية كثيرًا ما تضطر إلى قبول بعض ممن تبقى من حملة الشهادات، بغض النظر عن كفاءتهم أو خبرتهم الميدانية. وهكذا تتوالى حلقات الضعف: ضعف في اختيار أعضاء هيئة التدريس يؤدي إلى ضعف في إعداد المعلمين، وضعف في إعداد المعلمين يؤدي إلى ضعف في مخرجات التعليم العام، وهذا الضعف بدوره يغذي كليات التربية بطلاب أضعف، وهكذا دواليك.
ثم إن غياب برامج التطوير المهني المستمر لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية يعد كارثة بحد ذاتها. ففي الوقت الذي تتسارع فيه وتيرة التطور التربوي في العالم، وتظهر نظريات جديدة، وتقنيات متطورة، وأساليب تدريس مبتكرة، يظل كثير من أساتذة كليات التربية محبوسين في قوقعة الماضي، لا يتابعون جديدًا، ولا يطلعون على بحث علمي عميق، ولا يحضرون مؤتمرًا، ولا يشاركون في ورشة عمل، وهم بذلك لا يتخلفون عن ركب التطور فحسب، بل يصبحون عائقًا أمام تطور غيرهم. وقد أكد روجر بيكون أن إهمال الرياضيات يُضعف بنية المعرفة الإنسانية، حيث لا يمكن فهم العلوم الأخرى دون إتقانها، مما يعكس دورها المحوري في بناء الحكمة العلمية (Bacon, as cited in Boyer, 1968). ونحن نقول: “الجهل بمستجدات التربية وتطوراتها يفقدك كل الحكمة التربوية”.
والطامة الكبرى أن المجتمع برمته، وأولياء الأمور على وجه الخصوص، يسهمون في هذه الأزمة الماثلة من حيث يدركون أو لا يدركون. فالنظرة الاجتماعية لمهنة التعليم في عالمنا العربي أضحت في أدنى مستوياتها، المعلم الذي كان يحظى باحترام يفوق احترام الوالدين، ويقف له الناس إجلالًا وإكرامًا، وقد أضحى اليوم موظفًا عاديًا، بل كثيرًا ما يُنظر إليه نظرة شفقة أو استعلاء. وفي البيوت، لم يعد أولياء الأمور يحفزون أبناءهم على احترام المعلم أو التقدير لدوره، بل على العكس قد يسمعون أبناءهم وهم ينتقدون المعلمين ويتهمونهم بالتقصير دون أن يحركوا ساكنًا، فهم لا ينبسون شفة، كالغيم المظلم قبل المطر، يحملون الكلام في صدورهم، لكنهم لا يطلقونه، فصمتهم أضحى مثل البحيرة الراكدة، لا يثيرها نسيم ولا يهزها صوت، فكل شيء يختفي خلف وجههم الهادئ، وكل العيون تتحدث، وكل القلوب تنبض إلا هم، فهم لا ينبسون شفة، بيد أن كلماتهم سيوف تُلصق بالأسماء، ولا تتردد في الأفق تحدث صخبًا، وقد قيل قديمًا: “من كان معلمه أباه فمعلمه الناس أبوه”، فكيف إذا كان الأب نفسه لا يقدر المعلم ولا يدافع عنه ولو بكلمة؟
هنا نكون بهذا التحليل قد كشفنا عن جانب آخر من جوانب الأزمة الماثلة في التعليم، التي تتطلب إعادة تصميم النظم التعليمية لتكون أكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية، حيث تؤكد بعض التقارير الدولية أهمية تطوير مهارات القرن الحادي والعشرين وتعزيز التعلم المرن لمواجهة التحديات المستقبلية (OECD, 2020; World Bank, 2021)، الأمر الذي يتطلب العمل على إصلاح لا يقل خطرًا عن سابقه، بل ربما يكون أخطر لأنه يتعلق بمن يُفترض فيهم أنهم قادة الإصلاح والتغيير في الحقل التربوي. فانفصال أستاذ التربية عن الميدان يشبه انفصال طبيب الجراحة عن غرفة العمليات، فهو يفقده حسه المهني الوظيفي، وتجف ينابيع المعرفة الحية التي لا تنبع إلا من الاحتكاك بالواقع العملي. وما أبلغ قول الفارابي: “المعلم الحكيم هو من يجمع بين النظر والعمل، فإن غاب العمل بقي النظر هباء”. فإذا كان أستاذ التربية لا يؤمن بأن الميدان هو معمله الحقيقي، فكيف لطلابه أن يؤمنوا بذلك؟!
(3 – 7)
بعد أن تم تشخيص الداء، وتعرّفنا على جذوره الممتدة وفروعه المترامية، كأنها أنفاس الزمن التي تمتد في صمتٍ لا تعرفه العواصف، ندرك أن القوة الحقيقية لا تكمن في الارتفاع فحسب، بل في العمق الذي يثبت الحياة ويعطيها أفقًا بلا نهاية.
في تربة التعليم العام والعالي والمجتمع برمته، آن الأوان للانتقال من رحلة الألم إلى فضاء الأمل الفسيح الرحب، ومن دائرة التشخيص إلى معامل الإصلاح والبناء؛ فأولى خطوات الإصلاح إعادة هيكلة برامج إعداد المعلمين هيكلةً جذريةً تنتقل من النموذج النظري المحض إلى النموذج المهني القائم على الكفايات الفعالة. وهذا يعني أن يكون ثلث الخطة الدراسية على الأقل للتدريب الميداني المكثف، مع اختيار المشرفين الأكفاء لذلك التدريب العملي، وأن ترتبط المعرفة النظرية بالممارسة الصفية في مختلف المواقف التعليمية.
وأكد الجاحظ أن “العلم ليس بما حُفظ، بل بما استُعمل” (الجاحظ، 860 هـ، 2022م، ص. 89)، وهو ما يتوافق مع المبادئ التربوية الحديثة التي تؤكد أن القيمة الحقيقية للمعرفة تكمن في التطبيق العملي وليس في الحفظ وحده ((Hattie, 2012؛ (Kolb, 1984) وقد أظهرت بعض التجارب الدولية، كالنموذج الفنلندي والسنغافوري، أن التركيز على التدريب الميداني هو سر تميز برامج إعداد المعلمين (Sahlberg, 2023).
ومن الأفكار الإبداعية التي يمكن تبنّيها نموذج “المعلم الباحث” الذي يدمج بين التكوين الأكاديمي والبحث الإجرائي العملي. فبدلًا من أن يكون المعلم ناقلًا للمعرفة، يُعد ليكون باحثًا في فصله، قادرًا على تشخيص المشكلات التعليمية اليومية التي تواجه طلابه، وتصميم أبحاث إجرائية صغيرة لمعالجتها، وتقييم أثر تدخلاته. هذا النموذج يحول الفصل الدراسي إلى مختبر بحثي دائم نشط، ويجعل من المعلم مفكرًا ناقدًا ومنتجًا للمعرفة، وليس مجرد مستهلك لها. ويمكن تعزيز هذا التوجه بإدراج مشروع بحث إجرائي تطبيقي ضمن متطلبات التخرج، يشرف عليه فريق مشترك من أساتذة الجامعة الملهمين ومعلمين مبتكرين خبراء من المدارس. وفي هذا يقول شون: “الممارس التأملي هو الذي يبني معرفته من خلال التأمل في ممارسته (Schön, 2023, p. 68).
أما على صعيد أعضاء هيئة التدريس في كليات التربية، فإن الإصلاح يقتضي كسر جدار البرج العاجي الذي تحصن خلفه طويلًا بعضهم. ولعل أكثر الأفكار إبداعًا في هذا المجال إلزام هؤلاء الأساتذة بقضاء فترة زمنية تدريبية دورية في المدارس، لا تقل عن فصل دراسي كامل كل خمس سنوات، يمارسون فيها التدريس الفعلي، ويواجهون تحديات الميدان بكل تجلياته. هذه الفترة تتيح لهم الاحتكاك المباشر الحي بواقع التعليم، ومعايشة تحدياته، وتحديث خبراتهم الميدانية، بحيث يعودون إلى قاعات المحاضرات وهم يحملون تجارب حية عملية وأمثلة واقعية تثري تدريسهم. ويمكن أيضًا إنشاء برنامج “الأستاذ الزائر المزدوج”، حيث يتم تبادل الأدوار بين أساتذة الجامعة ومعلمين متميزين من المدارس؛ فيقضي الأستاذ الجامعي وقتًا في المدرسة يمارس التدريس الفعلي، بينما يقضي المعلم المتميز وقتًا في الجامعة يشارك في تدريب الطلاب المعلمين.
هذا التبادل يكسر الجمود المؤسسي، ويثري الطرفين بخبرات متنوعة، ويجسر الهوة بين النظرية والتطبيق. وقد قال الفارابي: “المعلم الحكيم هو من يجمع بين النظر والعمل، ولا يفضل أحدهما على الآخر” (الفارابي، 2021، ص. 123). وقد طبقت سنغافورة هذا النموذج بنجاح ( (National Institute of Education (Singapore, 2024).
غير أن هذه الجهود كلها تظل ناقصة ما لم تقترن بإعادة نظر جذرية في مفهوم رخصة التدريس ذاتها، تلك الوثيقة التي تمنح حاملها شرف الانخراط في سلك التعليم، وتجعل منه مؤتمنًا على عقول النشء وأرواحهم. إن ما نراه اليوم من اختبارات نظرية جافة يؤديها المعلمون مرة واحدة عند بداية مسيرتهم المهنية، ثم يظلون بعدها سنوات وسنوات بلا تقييم حقيقي لكفاءاتهم، لهو من أعجب العجب وأغرب الغرائب. فالمعلم الذي لا يتطور يظل أسير الماضي، عاجزًا عن مواكبة احتياجات طلابه ومستجدات التعليم، ولا يواكب المستجدات الحديثة، ولا يجدد معارفه ومهاراته، سرعان ما يصبح عالة على مهنته، وخطرًا على طلابه، وعائقًا في طريق التطور التعليمي في بيئة العمل برمته.
إن التجديد الدوري لرخصة التدريس، وفق معايير عالمية وفنية عملية دقيقة، وليس عبر اختبارات نظرية عقيمة فقط، هو ضرورة ملحة لا تقبل الجدل. فكما أن الطبيب لا يظل طوال حياته بلا متابعة ولا رقابة لكفاءاته، وكما أن المحامي لا يمارس المهنة بلا تجديد دوري لمعرفته بالقوانين المتغيرة، فكذلك المعلم أولى بهذا التجديد وأحر من غيره. لكن التجديد المنشود لا يكون عبر امتحانات نظرية فقط في قاعات مغلقة، يحفظ فيها المعلم نصوصًا لا تمت إلى واقع عمله الوظيفي بصلة، وإنما عبر تقييم حقيقي لأدائه داخل الفصل الدراسي، ومتابعة دقيقة لتفاعله مع طلابه، وتحليل ناقد لأساليبه وطرقه المبتكرة والعلمية. وقد أشار ابن خلدون: “الملكة لا تحصل إلا بتكرار الفعل” (ابن خلدون، 2023، ص. 201).
وهنا تبرز أهمية فكرة إنشاء هيئة مستقلة للترخيص المهني للمعلمين، تكون مهمتها وضع المعايير الدقيقة للتجديد الدوري، والإشراف على عمليات التقييم، ومتابعة أداء المعلمين في الميدان العملي. وقد أنشأت العديد من الدول مثل بريطانيا وكندا هيئات مستقلة مماثلة، وأثبتت التجارب نجاحها في رفع جودة الأداء التعليمي (Teaching Regulation Agency UK, 2024; Ontario College of Teachers, 2024).
وهكذا تتكامل أهم محاور الإصلاح الجذري، محاور تتساند وتتضافر مع بعضها البعض لتحقيق نقلة نوعية مميزة في إعداد المعلمين. فإعادة هيكلة البرامج نحو النموذج المهني تضع الطالب المعلم في صلب الحدث، وربط النظرية بالتطبيق يضمن أن المعرفة لا تظل حبيسة العقول فقط. وإلزام أساتذة التربية بالتدريب الدوري في المدارس يعيد الحياة إلى برامجهم، ويجعلهم قدوة حقيقية لطلابهم.
أما نظام الترخيص المهني المقترح القائم على الأداء والتجديد الدوري، فيضمن أن يبقى المعلم في حالة تعلم مستمر طوال حياته المهنية. غير أن الإصلاح لا يقف عند هذا الحد، فما زالت أمامنا محطات أخرى لا تقل أهمية عن غيرها، كتلك التي تتعلق بمن يتولون قيادة هذه الكليات ويحركون بوصلتها نحو التطور والازدهار، وبالشراكات التي يجب أن تعقدها مع الميدان، وبالبنية التحتية التقنية والبشرية التي تحتاج إلى نقلة نوعية وتحول جذري.
(4- 7)
وبعد تلك الرحلة في حلقات ثلاث سابقة شائقة، تجولنا فيها بين الدهشة والإعجاب؛ حيث تتلاقى الأحداث والأفكار في لحظة مثيرة لا تُنسى، يبرز لنا في الأفق سؤال جوهري: من يقود هذه الإصلاحات؟
تظهر لنا وتلوح في الأفق من أعجب التناقضات أن نرى على رأس بعض كليات التربية من لم يسبق له أن وقف في فصل دراسي، أو واجه تلميذًا مشاغبًا، أو ضعيفا في تحصليه الدراسي، أو عانى من ضغوط المناهج والامتحانات والإدارة المدرسية. فكيف لمن لم يعان مرارة التدريس أن يخطط لسياسات برامج إعداد المعلمين؟ وكيف لمن لم يذق حلاوة التأثير في الأجيال أن يوجه من سيتولون هذه المهمة الجليلة الصعبة؟ إنه اقتراح ثوري بكل ما تحمله الكلمة من معنى ودلالة، أن يكون عمداء كليات التربية من قدماء المعلمين والمعلمات المتميزين، أولئك الذين قضوا سنوات في غمار الميدان، وخاضوا تجارب التدريس في مختلف الظروف، وبرزوا في التطوير والابتكار التربوي، وأثبتوا جدارتهم في صناعة الفرق الحقيقي في حياة طلابهم. فإذا تصدر هؤلاء القيادة، فإنهم سيكونون أقدر الناس على فهم احتياجات المعلمين، وأدرى الناس بمشكلات الميدان، وأعرف الناس بسبل التطوير الحقيقي. وقد أشارت دراسة حديثة إلى أن قيادة كليات التربية من قبل خبراء ميدانيين تحسن جودة البرامج (Bryk et al., 2023).
كما يمكن أن يمتد هذا المبدأ إلى الهيئات الإشرافية في وزارات التربية والتعليم، فتصبح أغلب المناصب القيادية التربوية فيها حكرًا على من مروا بتجارب التدريس الميداني الناجح، لا على من قضوا حياتهم خلف المكاتب الإدارية يوقعون الأوراق ويصدرون القرارات من برج عاجي. فالمشرف التربوي الذي لم يسبق له أن أدار فصلًا دراسيًا حيا، لن يكون قادرًا على توجيه المعلمين وإرشادهم بكل منهجية واقتدار، ولن يفقه شيئًا من همومهم وتحدياتهم ومعانتهم كأمواج البحر المتلاطمة، لا تهدأ إلا حين تتعلم السفن فن الركوب على الظلال والعواصف، وسيظل قراره بعيدًا عن الواقع الحقيقي، وكلمته هامشية لا تأثير لها. تهدم قواعد التعلم، وتترك الطلاب تائهين بين الظلال والفراغ، فيذوب البناء التربوي، وتذبل ثمار المعرفة قبل أن تنمو. تترك الفضاء التربوي في صمتٌ قاتل في قلب العملية التعليمية، يقتل الفهم قبل أن يولد.
وقد طبقت فنلندا هذا المبدأ بنجاح واقتدار (Finnish National Agency for Education, 2024).
ولا يمكن إصلاح كليات التربية بمعزل عن محيطها، فالأمر يتطلب حتما بناء شراكات حقيقية مع المؤسسات المعنية المتخصصة من ذوي الخبرة والتجربة. ولعل من الأفكار الواعدة في الميدان إنشاء “المدارس المعملية المتكاملة” التابعة لكليات التربية، والتي لا تقتصر على كونها مواقع للتدريب الميداني العملي فحسب، بل تمثل مختبرات حية للابتكار التربوي. في هذه المدارس، يتم تطبيق وتجريب أحدث المناهج وطرق التدريس والتقنيات التعليمية الحديثة، تحت إشراف مشترك من الجامعة ووزارة التعليم. وتكون هذه المدارس بمثابة مراكز نشر للابتكارات الناجحة الملهمة، ونماذج يُحتذى بها للمدارس الأخرى. وقد أنشأت جامعة هلسنكي شبكة من المدارس المعملية، وكان لها دور كبير في تطوير التعليم الفنلندي (University of Helsinki, 2024). كما أن إشراك المعلمين المتميزين في تطوير المناهج يسهم في ربطها بالواقع الحي وبتحديات التعليم ومتطلباتها الضرورية (Zeichner et al., 2023).
وفي مجال البنية التحتية، لا بد من نقلة نوعية تواكب العصر والتطور. ومن الأفكار الرائدة في المضمار التربوي إنشاء مختبرات المحاكاة التعليمية التي تستخدم تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز مع تقنيات ثلاثية الأبعاد، والتي تحوّل المحتوى التعليمي من مجرد نصوص وصور إلى تجارب حسية غامرة تزيد من دافعيتهم ومستوى التعلم لديهم. لتدريب الطلاب المعلمين على إدارة المواقف الصفية الصعبة في بيئة رقمية آمنة. يمكن للطالب المعلم أن يتدرب على التعامل مع الطلاب المشاغبين، أو إدارة نقاش حاد، أو تقديم درس لطلاب من خلفيات متنوعة، مع إمكانية تكرار التجربة وتلقي تغذية راجعة مباشرة وفورية. وقد أنشأت جامعة سنغافورة الوطنية مختبرات محاكاة متطورة أثبتت فعاليتها وتفوقها وجدوها في الحق التربوي (National Institute of Education Singapore, 2024). كما يمكن إنشاء “فصول المستقبل” داخل كليات التربية، وهي فصول دراسية نموذجية مجهزة بأحدث التقنيات التعليمية، وتصميمات الأثاث المرنة التي تسمح بتطبيق استراتيجيات التدريس المتنوعة، ليمارس الطلاب المعلمون التدريس في بيئة تحاكي أفضل الممارسات العالمية المبتكرة.
أما استعادة مكانة المعلم في المجتمع، فهي مهمة لا تقل صعوبة عن سابقاتها. من الأفكار الإبداعية إطلاق مبادرة “المعلم سفيرًا”؛ حيث يتم اختيار نخبة وكوكبة من المعلمين المتميزين المبتكرين لتمثيل البلاد في المحافل الدولية، والمشاركة في المؤتمرات التربوية العالمية، وزيارة المدارس المتميزة في الخارج، ونقل خبراتها إلى الزملاء. هذه المبادرة تمنح المعلمين فرصة للتطور المهني الرفيع العلمي، وتعزز شعورهم بالفخر بمهنتهم والولاء لوظيفتهم وطنهم، وتقدم نماذج ملهمة للطلاب الراغبين في الالتحاق بالتعليم العالي لمواصلة الدراسات العليا في بيئات تعليمية متطورة. كما يمكن تطوير جوانب وحوافز “جائزة المعلم المُبتكِر” على المستوى الوطني، المعمول بها في سلطنة عمان بوزارة التعليم والتي تمنح للمعلمين الذين يقدمون حلولًا إبداعية لتحديات التعليم، وتبث ابتكاراتهم عبر وسائل الإعلام، بيد أننا نناشد هنا تدرس المشاريع الفائزة في كليات التربية كنماذج يُحتذى بها. وقد أثبتت تجارب الإمارات والسعودية نجاح هذه الجوائز في تحفيز المعلمين وتكريم المتميزين.
وهكذا تتكامل عناصر الإصلاح، من القيادة الواعية، إلى الشراكات الفاعلة، إلى البنية التحتية المتطورة الحديثة، إلى استعادة المكانة الاجتماعية للمعلم. لكن هذا كله يظل ناقصًا إذا لم نستشر المستقبل، ونعد معلمينا لعصر مختلف تمامًا عما نعيشه اليوم؛ فالمعلم الذي لا يتطور لا يستطيع تحسين ممارساته، ولا تلبية متطلبات القرن الحادي والعشرين، مما يؤثر على جودة التعلم ونواتج الطلاب ومستوياتهم ودافعيتهم نحو التعلم والذي يعد أمرًا أساسيًا لتكييف استراتيجيات التدريس، حيث يساهم في تعزيز التحصيل الأكاديمي وبناء بيئة تعلم محفزة ومشوقة.
(5 – 7)
نقف اليوم على أعتاب ثورة معرفية غير مسبوقة، بكل معاناتها وتجلياتها؛ فالألم فيها كجمرٍ تحت الرماد المنثور، يختبئ في جوف المتعلم الباحث عن الحقيقة والنجاح، يحمّص قلبه ويصقل روحه وفكره، قبل أن تشرق شمس الإدراك على وجدانه وضميره.
والفهم بعدها كثمار اليقطين اللذيذ الممتع في فصل الخريف، صلبٌ في البداية، يحتاج إلى عناء في تقطيعه وطهيه، لكنه يحلو حلاوته بعد طول انتظار، كرحلة المتعلم مع المادة العلمية: كل خطوة متعبة، وكل لحظة صبر تُثمر معرفة مغدقة. فتتفتح فيه أبواب الحكمة كما تتفتح أهداب الفجر على بحار المعرفة، ويصير الصبر عودًا ينسج من خيوطه جسرًا يمر عليه الطالب إلى ساحات الإدراك الكامل ما وراء المعرفة، متجاوزًا حدود الحفظ والتلقين إلى ساحات الإدراك الكامل، حيث تمتد المعرفة إلى ما وراء المعلوم، فتصبح الخبرة والفهم روحًا تتنفسها نفسه، ويصبح التعلم رحلة اكتشاف لا نهاية لها؛ فالذكاء الاصطناعي أضحى يقتحم كل المجالات، والميتافيرس يخلق عوالم افتراضية موازية ثلاثية الأبعاد، والتقنيات الرقمية تعيد تشكيل مفهوم المعرفة والتعلم ذاته.
فكيف نُعِدُّ معلمي الغد لهذا المستقبل المجهول المتطور؟ وكيف نوازن بين ثوابت التربية ومتغيرات العصر وتقلباته؟ وكيف نجعل من كليات التربية منارات تستشرف الآتي، بدل أن تظل أسيرة الماضي وصفحاته؟
إنها أسئلة المصير التي تحتم علينا الخروج من دائرة الإصلاح التقليدي إلى فضاء الابتكار والإبداع والتطوير المستمر. وقد قال الفيلسوف الفرنسي إدغار موران: “علينا أن نُعِدُّ العقول لمواجهة تعقيدات العالم، لا أن نملأها بمعلومات مبسطة عن عالم ولى (Morin, 1999/2022, p. 34)”.
واستشراف المستقبل يقتضي منا أولًا أن نعيد تعريف دور المعلم في القرن 21 في عصر الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، التي قد تفتح آفاقًا واسعة أمام المتعلمين والمعلمين على حد سواء، حين تتحول المعلومات إلى تجارب غامرة، والمهارات إلى ممارسات ذكية، ما يعزز القدرة على الابتكار وحل المشكلات؛ فلم يعد المعلم مجرد ناقل للمعرفة، إذ أضحت المعلومات متاحة للجميع بنقرة زر، في ثوانٍ معدودة، ولم يعد دوره مقتصرًا على التلقين والحفظ الأصم؛ فالآلات تستطيع ذلك بكفاءة أعلى وسرعة فائقة، بل أصبح دوره الأساسي هو إعادة تشكيل العقول الناقدة، وصقل المواهب الإبداعية المبتكرة، وغرس القيم الإنسانية النبيلة، وتعزيز الذكاء العاطفي والاجتماعي، وهي المهارات التي تظل عصية على الآلات أن تغرسها وتعمقها في الأجيال الفتية.
ومن هنا، يجب أن تركز برامج إعداد المعلمين على تنمية تلك المهارات النوعية الناعمة، وأن تزود الطلاب المعلمين بأدوات التعامل مع التكنولوجيا الحديثة الواعدة كحليف، وليس كعدو أو بديل. وقد تنبأ الخوارزمي منذ قرون: “الجهل بالرياضيات يفقدك نصف الحكمة” (الخوارزمي، 820/2021، ص 34)، ونحن اليوم نقول ونردد بأعلى صوت مع تطور العصر: لن تكتمل حكمة القرون إلا بشراكة الذكاء الاصطناعي. أما التربية فهي الوتد الذي يشد خيمة الحضارة.
وعلى صعيد توظيف الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في التعليم، تبرز تجارب عالمية رائدة يمكن الاستفادة منها وتوظيفها في الحقول التربوية. فمنصة”MATHia” التابعة لشركة النشر “كارنيجي ليرنينغ” توفر بيئة تعليمية رقمية تفاعلية وتكيفية (adaptive learning) مصممة للرياضيات للمرحلتين المتوسطة والثانوية (Grades 6–12)، تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتوفير دعم تعليمي فردي لكل طالب يشبه مدربًا شخصيًا لكل طالب على حدة، وتُعد أكثر تفصيلًا من معظم برامج الرياضيات التعليمية الأخرى. كما تقوم بتحليل كيفية تفكير الطلاب في كل سؤال، وتساعد المعلمين على تحديد ما إذا كان الطلاب يواجهون صعوبات ويحتاجون إلى تدخل فوري. كما تقدم شركة “سكيوريل إيه آي” نظامًا تعليميًا يخدم أكثر من 24 مليون طالب حول العالم، ويجمع المناهج التي وضعها المعلمون مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، مما يمكنه من تدريس الطلاب وفقًا لاستعداداتهم وسرعاتهم التعلمية.
وقد أظهر استطلاع أجرته “فوربس أدفيزورز” أن 60% من المعلمين في الولايات المتحدة يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل في الفصول الدراسية لأداء مهام روتينية، مثل تصحيح الاختبارات وتتبع أنماط تطور الطلاب. هذه التجارب تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون حليفًا قويًا للمعلم إذا ما أُحسن توظيفه.
غير أن هذا الانغماس في العوالم الرقمية قد يثير إشكالات كبرى تتعلق بالأمن السيبراني النفسي والاجتماعي، وهي إشكالات بارزة للعيان لم تعد ترفًا فكريًا أو رفاهية نظرية، بل صارت ضرورة ملحة تفرض نفسها على كل من يعمل في حقل التعليم ومناجم التربية. فالمعلم اليوم لم يعد ملقنًا للمعلومات فحسب، بل أصبح مسؤولًا عن حماية طلابه من مخاطر العالم الرقمي، وعن توعيتهم بسبل الاستخدام النافع والآمن للتكنولوجيا، وعن تعزيز مناعتهم النفسية ضد موجات التضليل والإشاعات وخطاب الكراهية التي تموج بها الفضاءات الإلكترونية.
وهذا يستدعي أن تتضمن برامج إعداد المعلمين مقررات إجبارية في الأمن السيبراني النفسي، تمكنهم من فهم عميق ودقيق لآليات التأثير النفسي في الفضاء الرقمي، وسبل حماية الذات والآخرين من الاختراق النفسي والتلاعب العاطفي، وكيفية بناء مناعة رقمية هادفة لدى الطلاب تجعلهم أقل عرضة للاستقطاب والتضليل والابتزاز الإلكتروني. وقد أكدت اليونسكو أن “التفكير النقدي هو المهارة الأساسية في العصر الرقمي (UNESCO, 2023, p. 67)”.
كما أن الأمن السيبراني الاجتماعي يفرض نفسه بقوة في عصر تتشكل فيه الهويات والانتماءات عبر المنصات الرقمية المتطورة، وتنشأ فيه مجتمعات افتراضية قد تكون أكثر تأثيرًا من المجتمعات الواقعية. المعلم اليوم مطالب بأن يفهم ديناميكيات هذه المجتمعات الافتراضية، وأن يكون قادرًا على توجيه طلابه نحو الاستخدام الإيجابي والأمثل لوسائل التواصل الاجتماعي، بعيدًا عن الإدمان الرقمي والعزلة الاجتماعية والتفكك الأسري الذي تسببه الاستخدامات غير الرشيدة للتكنولوجيا. ولا يمكن إغفال البعد القانوني؛ فالعالم الرقمي حقل مليء بالتشريعات والضوابط. المعلم الذي يستخدم التكنولوجيا في تدريسه مطالب بأن يكون على دراية بالحدود القانونية لعمله، وحقوق الملكية الفكرية، وخصوصية البيانات.
وفي إطار تطوير مجتمعات التعلم المهنية، يمكن إنشاء منصة رقمية متكاملة تجمع المعلمين من مختلف التخصصات والمراحل التعليمية، وتتيح لهم تبادل الخبرات والموارد التعليمية، والمشاركة في مشروعات بحثية مشتركة، والتشاور حول طرق حل المشكلات التربوية التي تواجههم، وتلقي الإرشاد والتوجيه من الخبراء والمتخصصين في الميدان.
هذه المنصة يمكن أن تكون نواة لحركة تربوية متجددة، تتجاوز الحدود الجغرافية والمؤسسية، وتخلق مجتمعًا معرفيًا حيويًا خبيرًا يسهم في التطوير المهني المستمر للمعلمين. كما يمكن أن تستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته لتقديم توصيات مخصصة لكل معلم على حدة، بناءً على تحليل احتياجاته واهتماماته وأدائه وميوله وقدراته. وقد أكد أرسطو أهمية التكامل بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، حيث يرى أن الحكمة الحقيقية لا تتحقق إلا من خلال الجمع بين الفهم العقلي والممارسة العملية (Aristotle, 2009)، وتؤكد النظريات البنائية أن المعرفة تُبنى بصورة ديناميكية وفق تفاعل المتعلم مع بيئته، مما يجعل فرض تصورات الماضي على الأجيال الجديدة عائقًا لنموهم المعرفي. وعليه، فإن الممارسات التربوية الفعّالة تستلزم مراعاة الفروق بين المتعلمين والسياقات المتغيرة للتعلم (جان بياجيه، 1952؛ ليف فيغوتسكي، 1978).
وأخيرًا، لا بد من استشراف المستقبل وإعداد المعلمين لزمن يختلف تمامًا عما نعيشه اليوم. فكليات التربية بحاجة إلى إعداد معلمين قادرين على العمل جنبًا إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته والتقنيات الحديثة، والاستفادة منه كمساعد ذكي وليس كبديل. وهذا يستدعي تضمين البرامج التدريبية محتوى مستقلًا ومعمقًا حول “محو الأمية الخوارزمية” لفهم كيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وتحيزاتها المحتملة، كما يستدعي التركيز على “التدريس المُتمحور حول الإنسان”، وتعزيز المهارات التي لا يمكن للذكاء الاصطناعي محاكاتها، مثل الذكاء العاطفي والإبداع والتفكير النقدي وبناء العلاقات الإنسانية المتينة. وهذا ما تشير إليه الأدبيات التربوية إلى أن التعلم الفعّال لا يتحقق من خلال فرض أنماط الأجيال السابقة على المتعلمين، بل من خلال مراعاة السياق الزمني والاجتماعي الذي يعيشون فيه، بما يتوافق مع خبراتهم واحتياجاتهم المتجددة (جون ديوي، 1938؛ جان بياجيه، 1952).
(6 – 7)
بعد أن استعرضنا بعض سبل الإصلاح التربوي والتقني، يبقى سؤال أخير لا تقوم أي إصلاحات بدونه ولا تنهض أي تحول دونه: كيف نضمن للمعلمين والمعلمات في مدارسنا، وللأكاديميين في جامعاتنا، حياة كريمة تحفزهم على العطاء والابتكار والبذل المتواصل والإبداع المستمر، وتقديرًا يليق بمكانة صانع الأجيال؟ مُربّي النشء باني العقول، وساقي القيم، الذين يزرعون في الأرض الصغيرة بذورًا، لتورق رجالًا يحملون الغد؛ فهُم الركيزة الأساسية في بناء الأجيال، والمسؤولون عن تنمية القيم والأخلاق والمعارف والمهارات لدى المتعلمين. لذلك لا بُد من العناية بقضية الحوافز والأجور للمعلمين، تلك القضية التي طالما أهملت في خطط التطوير والتنمية، أو عولجت بوصفات إسعافية سريعة لا تشفي الغليل ولا تضمد الجراج بعد نزيفه العميق.
فما قيمة أي إصلاح تربوي إذا ظل المعلم يعاني من ضنك العيش، وتدني الدخل والشعور بالفاقة والذي يعتبر قيدٌ خفي قد يُكبّل الروح والعقل، وحبلٌ خفي يربط القلب بالصبْر، فلا ينكشف سر النور إلا لمن عاش ظلالها وتعلم من صمتها المطبق دروس العزيمة والإباء. فالحرمان يجعل المعلم يتطلع إلى مهن أخرى توفر له ما لا توفره له مهنته الشريفة الجليلة؟ وما جدوى الحديث عن استقطاب المتميزين إلى كليات التربية إذا كانت هذه الكليات تخرجهم إلى سوق عمل لا يقدرهم ولا يكافئهم؟
لقد آن الأوان أن نعترف بحقيقة صارخة ومناشدة جريئة: لا يمكن أن ينتج تعليم جيد في بلد لا يقدر معلميه تقديرًا حقيقيًا فعليًا، ولا يمكن أن نطلب من المعلم أن يؤدي رسالته النبيلة على أكمل وجه وهو يعيش في ظروف مادية صعبة تلهيه عن رسالته الأصلية، وتدفعه إلى البحث عن عمل إضافي يستهلك وقته وجهدَه. إن المعلم الذي لا يجد ما يكفيه من دخل يومي، يضطره للعمل في وظيفتين أو ثلاث أو حتى أربع تملأ حياته ووقته ليل نهار، فلا يمكن أن يكون معلمًا مبدعًا مبتكرا، ولا أن يبذل الجهد المطلوب في إعداد دروسه ومتابعة طلابه بكل تفانٍ واقتدار. وبذلك تضيع الأجيال وتبدد الطاقات وستنزف الجهود. وقد أظهرت بعض الدراسات الاقتصادية أنَّ هناك علاقة طردية بين تحسين أوضاع المعلمين المادية وجودة التعليم، وأن الدول التي استثمرت في معلميها استثمارًا حقيقيًا وفعلياً كانت هي الدول التي تصدرت مؤشرات التعليم العالمية في معايير الجودة التعليمية (OECD, 2024). ففنلندا التي تعتبر نموذجًا عالميًا في التعليم، تضع أجور المعلمين في مستويات تنافسية مع المهن العليا الأخرى، وتجعل من مهنة التعليم مهنة مرموقة اجتماعيًا وماديًا مجزية، مما يجذب إليها أفضل الكفاءات من خريجي الجامعات.
إنَّ معالجة قضية أجور المعلمين لا بد أن تكون على مستويين وفق خطط استراتيجيات مدروسة: مستوى المعلمين في مدارس التعليم العام، ومستوى الأكاديميين في مؤسسات التعليم العالي، وخاصة في كليات التربية التي تعاني من عزوف بعض المتميزين عنها. فبالنسبة لمعلمي التعليم العام، لا بد من إعادة هيكلة سلم الرواتب بشكل يجعل دخولهم تنافسية مع المهن الأخرى التي تتطلب مؤهلات مماثلة، وأن ترتبط الزيادات بالتطوير المهني المستمر وتحسين الأداء، لا بالأقدمية فقط. ويمكن الاستفادة من تجارب دول رائدة في الميدان مثل سنغافورة التي طبقت نظام “المعلم المتخصص”؛ حيث يمكن للمعلم أن يتدرج في مساره المهني الوظيفي عبر مسارات متعددة ومتنوعة: مسار أكاديمي يركز على التدريس والتطوير المهني، ومسار قيادي يتجه نحو الإدارة المدرسية، ومسار بحثي يركز على الابتكار والبحث التربوي. وفي كل مسار، يحصل المعلم على حوافز مادية تتناسب مع تطوره المهني وإسهاماته.
أما بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس في كليات التربية، فإنَّ الوضع لا يقل خطورة، وسوءُ التدبير يزيده تفاقمًا. وعمقا في التدني، فالأكاديميون في بعض هذه الكليات قد يعانون من تدنٍ في رواتبهم مقارنة بنظرائهم في الكليات الأخرى، أو الوظائف الآخر التي قد لا تتطلب جهد وبذل متواصلا، فكليات التربية في بعض الدول العربية هي الأدنى في سلم الرواتب بين كليات الجامعة. وهذا التفاوت في المعاملة يرسل رسالة خفية سلبية إلى المجتمع والطلاب على حد سواء: أن كلية التربية هي كلية من الدرجة الثانية، في حافة الطريق وهامش المسار الوظيفي، وأن العمل فيها أقل قيمة من العمل في كليات الطب والهندسة والاقتصاد. ولتصحيح هذا الخلل، وإعادة النصاب إلى مكانه السليم لا بد من المساواة بين رواتب أعضاء هيئة التدريس في كليات التربية ونظرائهم في الكليات الأخرى، والوظائف الأخرى، بل لا من إضافة حوافز خاصة لهم نظرًا لطبيعة عملهم التي تتطلب خبرة ميدانية إضافية وتواصلًا مستمرًا مع المدارس وعملا دقيقا. كما يمكن إنشاء صندوق لدعم التميز في التعليم والابتكار في الأداء، يقدم منحًا وجوائز سنوية للأساتذة المتميزين في كليات التربية، ويخصص ميزانيات مجزية لبرامج التطوير المهني المستمر مدى الحياة.
لكن الأجور وحدها غير كافية، فهناك حوافز أخرى لا تقل أهمية عن المال، بل قد تفوقه في بعض الأحيان. من هذه الحوافز، إعادة الاعتبار الاجتماعي للمعلم، في واقع الحياة العامة، وإحياء المكانة التي كان يحتلها في المجتمع. وكما أسلفنا، يمكن تحقيق ذلك من خلال مبادرات مثل “المعلم سفيرًا”، وجوائز المعلم المبتكر، وتخصيص مساحات إعلامية لتكريم المعلمين ونماذجهم الملهمة المبتكرة. كما يمكن إنشاء مجالس استشارية تربوية يكون للمعلمين فيها صوت مسموع ومنبر للحديث والابتكار، ومشاركة في صنع القرارات التي تمس مهنتهم وتطوير مساراتها العملية، فلا يكون المعلم مجرد منفذ لقرارات تصدر من فوق، بل شريكًا في رسم السياسات التعليمية. ومن الحوافز المهمة أيضًا، توفير بيئة عمل محفزة، فيها إدارة داعمة، وبنية تحتية مناسبة، وتقنيات حديثة، وفرص للتطور المهني المستمر. فالمعلم الذي يشعر بأن مؤسسته تقدره، وتوفر له ما يحتاجه لأداء رسالته، يكون أكثر إبداعًا وإنتاجًا من المعلم الذي يعمل في بيئة مهملة وإدارة متسلطة بيروقراطية جامدة.
ومع ذلك، فإن تحسين الأوضاع المادية يجب أن يقترن برفع مستوى المساءلة والمحاسبة لديهم. فالمعلم الذي يحصل على راتب مجزٍ يجب أن يكون مسؤولًا عن أدائه، وأن يخضع لتقييم دوري مستمر وموضوعي ومنهجي، وأن يكون تجديد رخصته المهنية مشروطًا باستمرار تطوره وتحسين أدائه وتطوير معارفه وتحسين أدائه. وهذا يستدعي بناء نظام تقييم شامل يجمع بين التقويم الذاتي، وتقويم المشرفين، وتقويم الزملاء، وتقيم الإدارة المدرسية واستطلاعات رأي الطلاب وأولياء الأمور، وتحليل نواتج التعلم. فالمساءلة المهنية هي الوجه الآخر للتقدير المهني، ولا يمكن أن يقوم أحدهما دون الآخر.
وفي ضوء ذلك، يمكن اقتراح نموذج متكامل للحوافز في التعليم، يقوم على عدة ركائز: راتب أساسي مجزٍ للمعلمين والأكاديميين، يكون في مستوى تنافسي مع المهن الأخرى، ويُعاد النظر فيه بشكل دوري لمواكبة التغيرات الاقتصادية. مكافآت وحوافز إضافية ترتبط بالأداء والإبداع والتطور المهني المستمر، وتُمنح بناءً على معايير موضوعية وشفافة. حوافز معنوية واجتماعية، مثل الأوسمة والجوائز، والمشاركة في صنع القرار، والتمثيل المشرف للمهنة في المحافل المحلية والدولية. بيئة عمل محفزة، توفر للمعلم والأكاديمي الأدوات والموارد والتدريب والدعم الإداري الذي يحتاجه لأداء رسالته. مسار مهني واضح ومحد المعالم والاستراتيجيات، يسمح للمعلم بالترقي في درجات مهنية متعددة، والتخصص في مجالات متنوعة، دون أن يضطر إلى ترك الفصل الدراسي إذا أراد التقدم في مساره المهني والتعليمي.




















اترك تعليقاً