
تُعَدُّ التجربة الفلسطينيَّة في سياقها التعليمي واحدة من أصدق الأمثلة المعاصرة على قدرة الإنسان على تحويل الكارثة إلى دافع للتفوُّق، والحرمان إلى وقود للإنجاز، مقدِّمين للعالم دروسًا مستفادة من تجربتهم في القدرة على مواجهة تحدِّيات التعليم في بيئات مدمَّرة.
تجلَّت تلك القدرة بوضوح في نتائج امتحانات الثانويَّة العامَّة «التوجيهيَّة» الفلسطينيَّة لهذا العام، حيثُ حصلت الطالبة الفلسطينيَّة بغزَّة المدمَّرة على المرتبة الأولى بالمساق العلمي بمعدَّل (99.4%)، وحصل غيرها على نِسَب مميزة تؤهلهم لدخول الجامعات بتفوُّق، فعبَّروا هم وعائلاتهم عن فرحتهم بالرقص داخل خيامهم وملاجئهم.
لم تكتفِ الأُسر الفلسطينيَّة بالاحتفاء على المستوى الشَّعبي داخل عرائشهم وخيامهم، بل صاحب ذلك إصرار رسمي على العزيمة أعلنه وزير التربية والتعليم الفلسطيني أمجد برهم عند تعليقه على نتائج التوجيهيَّة، مؤكدًا أنَّ وزارتهم سوف تستعيد التعليم وتُعزِّز العمليَّة التعليميَّة في غزَّة، مشددًا على أنَّ لدَيْهم خطَّة واضحة للتنفيذ مؤكدًا أنَّ «المستحيل ممكن في غزَّة».
وحري بنا على ضوء هذا الإعجاز الفلسطيني أن نستحضر «نظريَّة التحدي والاستجابة» للفيلسوف والمؤرخ البريطاني أرنولد توينبي 1889 – 1975 الَّتي تعدُّ واحدة من أهم نظريَّات فَهْم «حركة التاريخ» حيثُ أكد بنظريَّته أنَّ كثيرًا من الأُمم لا تنهض إلَّا عندما تواجه من الشدائد ما يجبرها على إنتاج استجابة كبرى تتجاوز حدود الواقع.
كما رأى أنَّ الصعود الحضاري يبدأ عندما تظهر ما يسمِّيها «االنخبة الخلَّاقة» الَّتي تقود شَعبها للخروج من أزمته عَبْرَ الإبداع والإنجاز.
وبإسقاط هذه النظريَّة على الحالة الفلسطينيَّة، تتجسد تلك النخبة في المعلِّم الَّذي يقوم بِدَوْره في ملجأ وحياته في خطر، وفي الأُسرة الَّتي تجعل من خيمة أو غرفة مهدَّمة فصلًا دراسيًّا وهي في خطر، وفي الطالب الَّذي يدرس على ضوء هاتف أو شمعة ولدَيْه قناعة راسخة بأنَّه بعزيمته سينجح بل سيتفوق، وفي مبادرات شَعبيَّة تحافظ على الاستقرار النفْسي والتعليمي للأطفال وهي حريصة على أن تؤتي أُكُلَها.
يتضح مدى تطابق هذه النظريَّة على الفلسطينيين عندما تبَيِّن لنا تقارير اليونيسف أنَّ أكثر من (95%) من المدارس بغزَّة تعرضت جزئيًّا أو كُليًّا للتدمير، وذلك كواحدة من أكبر الضربات المدمّرة لقِطاع تعليمي في العالم المعاصر.
كما تشير أيضًا تقارير المكتب الإعلامي الحكومي في غزَّة إلى أنَّ «165» مدرسة وجامعة ومؤسَّسة تعليميَّة تم تدميرها كُليًّا وأنَّ «392» مؤسَّسة تعليميَّة أخرى دمّرت جزئًا.
هذه ليست مجرَّد أرقام، بل واقع مرير لبيئة تعليميَّة محطَّمة. ومع ذلك هناك ما يُمكِن استقراؤه من درس مستفاد مفاده بأنَّ القهر ليس بالضرورة أن يجبر الإنسان على الاستسلام، بل رُبَّما يقوده إلى تصميم مضاعف على الإنجاز، وهذا هو جوهر نظريَّة توينبي في العلاقة بَيْنَ التحدِّي والاستجابة.
وكدلالة على ذلك فإنَّ النموذج الأوضح في تحويل التحدِّي إلى استجابة بارعة هو تفوُّق الطالبة نسمة إياد النبيه المشار إلى نسبة تفوُّقها في بداية هذا المقال. وفي تقديري أنَّ نسمة ليست مجرَّد طالبة متفوقة، بل هي برهان ملموس على ما يقصده الفيلسوف توينبي حين يقول إنَّ التحدِّي الَّذي لا يُدمّر يصنع قدرات جديدة لم تكُنْ لتظهرَ في الظروف العاديَّة.
إنَّ نجاح الطلاب الفلسطينيين هو استجابة جماعيَّة تعبِّر عن إرادة شَعب يرفض أن تنكسر علاقته بالعِلم رغم الدمار؛ وذلك في وقت تجاوز فيه التعليم في فلسطين دَوْره الوظيفي، بل أصبح فعل مقاومة ووسيلةً للحفاظ على الهُوِيَّة ونافذةً يطلُّ منها الطلاب على مستقبل يريدون انتزاعه رغم القصف والحصار.
أمَّا الدرس المستفاد الأهم لعالمنا فهو أنَّه مع تهاوي المباني التعليميَّة الفلسطينيَّة نهض الطلاب ومعهم معلِّموهم وأُسرهم، فرقصوا فرحًا عند نجاح أبنائهم وبناتهم مقدِّمين لنا درسًا مفاده بأنَّ الإرادة الإنسانيَّة قادرة على تحويل الخراب إلى منصَّة للتفوق، وأنَّ الاستجابة قد تكُونُ في أحيان كثيرة أقوى من التحدِّي ذاته.
ashgartariq@yahoo.com




















اترك تعليقاً