رحاب : عندما تؤمن المدرسة بقدرات طلابها

د. أحمد بن علي المعشني – الوطن

في نهاية عام 2019م أمضيت أيامًا في زيارة إلى مدارس جمهورية الهند، ذلك البلد القارة، بتاريخه العريق وحضارته الغنية وحداثته المدهشة.

كانت البداية من مدينة (كويمباتور) بولاية (تاميل نادو) وتحديدًا من مدرسة (بريستاين) تأسست تلك المدرسة منذ أربع سنوات فقط، وتضاعف الإقبال عليها حتى بلغ عدد طلابها 1000 طالب، طلبت مني إدارة المدرسة محاضرة تحفيزية، لكن المشكلة التي واجهتهم وأخجلتني؛ أنني لم أحضر بالزي الوطني العماني الذي يعتبرونه رمزًا للهوية الدينية والأخلاقية التي يتحدثون عنها بالاحترام والتبجيل، وقد بذلوا جهدًا جبّارًا لإحضار خياط حتى يقوم بحل هذه المعضلة، وكنت أشعر بالخجل، بين حرصهم الشديد على أن أظهر أمامهم بهويتي وأصالتي وصعوبة العثور على دشداشة عمانية في تلك المدينة، وأخيرًا عندما يئسوا من الحصول على الدشداشة، عرضوا علي أن ألبس أي دشداشة وأن أضع كمة بيضاء على رأسي، لكنني اعتذرت منهم بلباقة وقلت لهم لا يمكنني أن أظهر في دشداشة غير عمانية أمام التلاميذ، وبأدبٍ جمٍّ وتواضعٍ حقيقي، قبلوا بالواقع.

وقفت أمام التلاميذ الصغار الذين رحبوا بي باحترامٍ ومودة، وترجلت حديثًا عن قابلية التفوق التي يولد بها كل إنسان، وحتى أُبسط المعنى، طلبت من أحدهم أن يتقدم إليّ ثم همست في أذنه بأن يحرك يده اليمنى بدون أن يثنيها أو يطوعها، بتلقائية باتجاه الجانب الأيسر حتى يشعر بأنه غير قادر على الاستمرار في تحريكها؛ ثم همست في أذنه بأن يبني نية واضحة في عقله ويحدد نقطة أبعد لتصل إليها يده بدون انثناء أو لي، ودربته أن يتنفس بعمق، ويرخي عقله وبدنه، ثم يستحر النية ويبدأ في تحريك يده، وكانت النتيجة أن امتدت يده إلى المسافة التي حددها كهدفٍ في عقله، وهناك توجهت إلى الصغار وحدثتهم عن أهمية استحضار النية والأهداف في الحياة كخريطة عقلية لتحقيق النجاح.

وفي لقائي بالشاب عبد سبحان، رئيس مجموعة معاهد الشاهين في بانجلور التي سافرنا إليها من أوتي للقاء به والاطلاع على تجربة معاهده فقد كانت المفاجأة مدهشة جدًّا، عرض علينا عبد سبحان تجربته في إنشاء مدرسة خاصة تقبل الطلبة الذين يقل مستوى تحصيلهم عن المتوسط، وبعضهم من الراسبين ومن المحبطين ثم يعيد تأهيلهم نفسيًّا وتربويًّا حتى يرتقي بتقدير الذات لديهم ويعزز ثقتهم في أنفسهم، ويضمن لكل طلابه أن ينجحوا بامتياز ويحصلوا على منحٍ للدراسة مجانًّا لأن أغلب طلابه من الفقراء ومن ذوي الدخل المحدود، وتكون النتيجة غالبا أن يحصل جميع طلاب مدرسته الداخلية على نسب تفوق الخيال، ويحظون بمنح حكومية للدراسة في الكليات العلمية وخاصة كلية الطب؛ ومن بين الحالات الفارقة، حالة الطالب محمد مدثر أحمد الذي مات والده وتعرضت أسرته لحالة عسر مادي ونفسي، فأخفق في الصف الحادي عشر، فعرض عليه الشاب عبد سبحان، منحة مجانية رأفة بحالته، ولم يكن يعرف اللغة الإنجليزية، وكانت نتيجته في السنوات السابقة متذبذبة بين التدني والرسوب، وبعد مرور فترة وجيزة من بدء دراسته في تلك المدرسة الجديدة، مرضت والدته، فشعر بالإحباط من جديد، وقرر الانقطاع عن الدراسة، لكن مدرسته تواصلت معه، وعندما سألوه عن سبب غيابه عن المدرسة، أخبرهم بأن أمه مريضة ويريد أن يلازمها حتى تشفى أو تموت، فأقنعه المعلمون بأن بقاءه معها لن يزيدها عمرًا ولن يمنع عنها الموت، وأن دراسته هي خير مساعدة يقدمها لها؛ سواء تعافت أو ماتت! فعاد إلى المدرسة، وتابع دراسته وفقا لمنهج تلك المدرسة التابعة لمجموعة الشاهين أكاديمي، وبين تعزيز وتحفيز وإكساب الطلاب مهارات التحصيل المتميز من خلال محاربة الدروس الخصوصية واستبدالها ببرنامج محوسب يتم تنزيله في أجهزة الطلاب بالتزامن مع الدروس اليومية، ومتابعة تحصيل كل طالب كحالة فريدة، استطاع محمد مدثر أن يحقق الترتيب 90 من عدد إجمالي المتقدمين للشهادة الثانوية العامة للعام الدراسي 2019 والبالغ مليونًا ونصف مليون طالب، وحظي محمد مدثر أحمد بمنحة مجانية على نفقة الحكومة الهندية الاتحادية لدراسة الطب.

رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الإضافات

ماذا بقى فينا من معلم ؟

ماذا بقى فينا من معلم ؟

26 فبراير، 2026 0 41